لفهم أوجه التشابه بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وزعيم حزب المحافظين الكندي بيار بوالييفر بشكل أعمق، يجب تجاوز الخطاب السياسي الظاهر والدخول في جذور النهج السياسي، الأيديولوجيا، والأساليب التي يتبعها كل منهما. هذا التحليل يعكس كيفية تأثر الساحة السياسية الكندية بالعوامل العالمية، بما في ذلك صعود التيارات الشعبوية.
1. الشعبوية كأيديولوجيا: نهج سياسي مُوجّه ضد النخب
الشعبوية ليست مجرد أسلوب بل أيديولوجيا عميقة تعكس انعدام الثقة في المؤسسات التقليدية والنخب.
- ترامب: بنى حملته على فكرة أن واشنطن تديرها “الدولة العميقة” أو “المؤسسة الفاسدة” التي تعمل ضد مصالح المواطن العادي. استخدم خطابًا عاطفيًا وصادمًا لتقديم نفسه كمُخلص للشعب الأمريكي، داعيًا إلى استعادة “عظمة أمريكا”.
- بوالييفر: يركز على فكرة أن النخب السياسية في كندا، بما في ذلك حكومة ترودو والمؤسسات الفدرالية، لا تمثل مصالح الكنديين العاديين. غالبًا ما ينتقد بيروقراطية الحكومة ويصور نفسه كرجل الشعب القادر على التغيير.
التقاطع: كلا الزعيمين يعتمدان على بناء صورة العدو الداخلي، سواء كان ذلك “الدولة العميقة” أو النخب السياسية، لتعزيز روايتهما بأنهما يمثلان الشعب الحقيقي ضد المؤسسة.
2. القومية الاقتصادية: الدفاع عن العامل المحلي
- ترامب: رسّخ شعار “أمريكا أولاً” ليعكس أولوياته في حماية الاقتصاد الأمريكي من خلال إعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، مثل نافتا (التي أصبحت USMCA)، وفرض تعريفات جمركية على الصين والدول الأخرى. ركز على إعادة الوظائف إلى العمال الأمريكيين، خصوصًا في الصناعات التقليدية مثل التصنيع.
- بوالييفر: يروج لفكرة أن السياسات الليبرالية، خاصة تلك المتعلقة بالطاقة والتضخم، تضر بالعائلات الكندية والاقتصاد المحلي. يدعو إلى تقليص الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب لتخفيف الأعباء المالية عن الكنديين، وهو خطاب قريب من سياسة “أمريكا أولاً” لكن بصيغة كندية.
التقاطع: كلاهما يركزان على الطبقة العاملة المتأثرة بالتحولات الاقتصادية العالمية، ويحاولان تقديم أنفسهما كمدافعين عنها ضد سياسات العولمة التي يعتبرونها ضارة.
3. الهيمنة على وسائل الإعلام والشعبية الرقمية
- ترامب: غيّر قواعد اللعبة السياسية باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي (تحديدًا تويتر) للوصول مباشرة إلى مؤيديه دون المرور عبر الوسائل الإعلامية التقليدية. كان خطابه المباشر والمثير للجدل يحفز قاعدة جماهيرية واسعة، لكنه أيضًا كان محور انتقادات شديدة.
- بوالييفر: يستخدم استراتيجيات مشابهة من خلال الاعتماد على يوتيوب وفيسبوك لنشر مقاطع فيديو قصيرة وفعالة تخاطب قضايا يومية تهم الكنديين. يوظف خطابًا مبسطًا ومباشرًا لجذب الانتباه وكسب التأييد الشعبي.
التقاطع: كلاهما يدرك قوة وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة للوصول إلى الجماهير وتجاوز القيود الإعلامية التقليدية.
4. استخدام القضايا المثيرة للجدل لتعزيز الدعم
- ترامب: لم يتجنب القضايا المثيرة، بل استخدمها بذكاء لتعزيز مكانته بين مؤيديه. من قضايا الهجرة إلى التوترات العرقية، كانت تصريحاته دائمًا تهدف إلى تأجيج النقاش وإظهار نفسه كزعيم قوي.
- بوالييفر: يستفيد من قضايا مثل ارتفاع التضخم وكلفة المعيشة، لكنه يركز أيضًا على مواضيع حساسة مثل قوانين الطاقة والعلمانية. يقوم بتأطير هذه القضايا بطريقة تحفز النقاش وتضع منافسيه في موقف دفاعي.
التقاطع: كلاهما يدرك أهمية السيطرة على الأجندة السياسية من خلال استغلال القضايا الساخنة التي تثير الجدل وتكسب الدعم.
5. الكاريزما والانقسام
- ترامب: يتمتع بكاريزما خاصة وقدرة على التحكم في الأجواء السياسية من خلال تصريحاته الصادمة وشخصيته المثيرة للجدل. لكن هذه الكاريزما كانت سببًا في انقسام المجتمع الأمريكي.
- بوالييفر: يتمتع بشخصية جدلية أيضًا، لكنه أكثر حرصًا على الحفاظ على صورة محسوبة. يسعى إلى تقديم نفسه كزعيم بديل قوي، لكنه يثير الانقسام أيضًا بين مؤيديه وخصومه بسبب خطابه الانتقادي.
التقاطع: كلاهما يثير مشاعر قوية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مما يجعلهما رمزين لسياسة الاستقطاب.
6. الهجرة والقضايا الاجتماعية: خطاب محوري
- ترامب: ركز على سياسات الهجرة المتشددة، مثل بناء الجدار مع المكسيك وفرض قيود على اللاجئين، مستندًا إلى خطاب يربط الهجرة بالأمن القومي.
- بوالييفر: يتبنى خطابًا أكثر مرونة لكنه يركز على ضرورة إصلاح نظام الهجرة في كندا، مع التأكيد على أولوية الكفاءات والحفاظ على قيم كندية محددة.
التقاطع: كلاهما يستخدم الهجرة كأداة سياسية لتعزيز دعم قاعدتهما الانتخابية.
الخاتمة: شعبوية متشابهة بسياقات مختلفة
بينما يعمل ترامب في سياق سياسي أمريكي يستند إلى قوة الفرد والرأسمالية، يعمل بوالييفر في سياق كندي أكثر تركيزًا على التعددية الثقافية والدولة الفدرالية. لكن أوجه التشابه في الخطاب والأسلوب السياسي تشير إلى أن الشعبوية ليست حكرًا على دولة بعينها، بل هي أداة عالمية تتكيف مع الظروف المحلية لتلبية احتياجات القواعد الشعبية.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيستطيع بيار بوالييفر تكرار نجاح ترامب في بناء قاعدة شعبية كاسحة تؤهله لقيادة كندا؟ أم أن المشهد السياسي الكندي بطبيعته سيحد من هذه المقاربة؟
21.3°