يتساءل البعض عمّا إذا كانت وسائل الإعلام الكندية تعطي اهتمامًا زائدًا للانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وقد يرى هذا البعض أن هذه الانتخابات لا ينبغي أن تكون ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا في كندا.
لكن الواقع يعاكس هذا الاعتقاد، إذ أنه، ومن المحتّم، سيكون لنتائج هذه الانتخابات تأثير مباشر وواضح على كندا، ولا سيما إذا فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب، والذي يثير الجدل باتهاماته ومواقفه المثيرة. فسياسات ترامب، في حال وصوله إلى الرئاسة، ستنعكس بشكل كبير على كندا، وهذا ما لا يمكن تجاهله.
ورغم أن لدينا قضايا داخلية ملحة تتطلب حلولًا عاجلة، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والهجرة، والعجز الكبير في موازنتي كيبيك وكندا، إلا أن القول المأثور “يكفينا ما فينا” لا يمكن أن يبرر إغفال التأثير الكبير الذي قد تتركه نتائج الانتخابات الأميركية علينا.
نحن، في كندا، جيران أقوى دولة في العالم، ونشعر بتداعيات أي أزمة تضرب الولايات المتحدة بحدّة أكبر. وكما يُقال: “عندما تصاب الولايات المتحدة بالزكام، تُصاب كندا بالتهاب رئوي”. ومع توجه حوالي 80% من صادرات كندا نحو الولايات المتحدة، فإن أي تغييرات في السياسات الاقتصادية أو التجارية الأميركية ستترك أثرًا مباشرًا على الاقتصاد الكندي.
في هذا السياق، تضيء المحللة ليز رافاري، في مقالها الأخير في صحيفة لو دروا، على نيّة ترامب، في حال فوزه، تنفيذ أكبر عملية ترحيل للمهاجرين غير الشرعيين في تاريخ الولايات المتحدة، وهو ما قد يدفع الآلاف، خصوصًا من الجالية الهايتية، إلى التوجه نحو كندا بحثًا عن ملاذ آمن. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان أزمة معبر روكسهام، ويثير تساؤلات حول كيفية تعامل كندا مع موجة محتملة من طالبي اللجوء.
إضافةً إلى أزمة الهجرة، تتوقع رافاري أن انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو – وهو أمر يلمّح إليه ترامب منذ فترة – سيضع كندا في موقف محرج كأحد الأعضاء القلائل من أميركا الشمالية. وتعتقد أن هذا السيناريو، إلى جانب تخفيض الضرائب الأمريكية على الشركات، قد يدفع الاقتصاد الكندي نحو سياسات أكثر يمينية، خصوصاً إذا ما فاز بيار بوالييفر بمنصب رئيس الوزراء.
كذلك تحذر رافاري من نية ترامب فرض رسوم جمركية ضخمة على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، والتي قد تصل إلى 20%. هذا الإجراء سيؤثر سلبًا على الاقتصاد الكندي، ولا سيما أن 80% من الصادرات الكندية تتجه نحو الولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى نتائج كارثية على الاقتصادين الكندي والأميركي على حد سواء. وقد أشارت دراسة لبنك سكوشا إلى أن فرض رسوم بنسبة 10% فقط قد يؤدي إلى تفاقم التضخم ويخفض النشاط الاقتصادي في كندا بنسبة 3.6%.
من جهته، كتب المحلل الاقتصادي جيرالد فيليون في هيئة الإذاعة الكندية، وتحت عنوان “ترامب الفزاعة الاقتصادية”، أن العودة المحتملة لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض تثير قلقًا واسعًا بين خبراء الاقتصاد، خاصةً في ما يتعلق بتأثير سياساته التجارية المقترحة. وفقًا لتقرير نُشر مؤخرًا من غرفة التجارة الكندية، قد يؤدي فرض الرسوم الجمركية إلى انخفاض حاد في الإنتاجية والدخل في كل من كندا والولايات المتحدة. وأشار الاقتصادي تريفور تومب من جامعة كالغاري إلى أن هذا الرسم الجمركي قد يخفض الدخل الحقيقي في كندا بنسبة 0.9%، بينما سينخفض في الولايات المتحدة بنسبة 0.6%. هذا التأثير لن يتوقف عند هذا الحد، إذ ستعاني قطاعات رئيسية مثل الطاقة وصناعة السيارات، حيث تبلغ قيمة الصادرات الكندية في هذين القطاعين 170 مليار دولار و80 مليار دولار سنويًا على التوالي.
من جهة أخرى، حذر تقرير آخر صادر عن مجموعة ديجاردان الاقتصادية من أن فوز ترامب وحصول الجمهوريين على أغلبية في الكونغرس قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لكندا بنسبة 1.7% بحلول عام 2028. ويرى الخبراء أن سياسات الرسوم الجمركية لن تقتصر آثارها على الاقتصادين الأميركي والكندي فحسب، بل ستؤدي أيضًا إلى ارتفاع التضخم وزيادة الأعباء المالية على المستهلكين.
كما أن احتمال تراجع ترامب عن بعض الاتفاقات التجارية القائمة، مثل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، يمثل تهديدًا آخر للعلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وقد صرّح ترامب مؤخرًا برغبته في إعادة التفاوض على هذه الاتفاقية بحلول عام 2026.
في ما يتعلق بقطاع الطاقة، يتوقع الباحث إيفان كليشيه من مركز بحوث العلاقات الدولية (CÉRIUM) أن تعود سياسات ترامب لدعم الوقود الأحفوري والتوسع في مشروعات النفط والغاز، ما قد يؤثر على صادرات النفط الكندية التي تشكل 60% من واردات الولايات المتحدة من النفط.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال أساسي: هل ستتمكن كندا من التصدي لسياسات ترامب الاقتصادية والتكيف مع التحديات الجديدة التي قد تواجهها حال فوزه في الانتخابات؟ وكيف يمكن للحكومة الكندية الحفاظ على علاقاتها التجارية مع واشنطن وحماية اقتصادها من تداعيات هذه السياسات؟
إجمالاً، الانتخابات الأمريكية ليست قضية تخصّ الأمريكيين وحدهم، بل تمسّ كندا أيضًا. التفكير بعكس ذلك يعد انقطاعًا عن الواقع، مما يستدعي البقاء متيقظين لتأثير هذه الأحداث علينا.
23.2°