مع دخول الحملة الانتخابية الفدرالية الكندية يومها الحادي والثلاثين، ينطلق رسميًا الأسبوع الأخير من سباق انتخابي فاجأ المراقبين على أكثر من صعيد، ولا تزال المفاجآت فيه واردة حتى اللحظة الأخيرة.
عطلة عيد الفصح لم تكن هدنة سياسية، بل شكّلت منصةً لإطلاق الوعود الكبرى. فقد اختار كل من الحزب الليبرالي والحزب الديمقراطي الجديد استغلال المناسبة للكشف عن منصّاتهم الانتخابية المفصّلة. لكن توقيت هذا الإعلان، الذي جاء في مستهل عطلة طويلة، أثار تساؤلات بشأن مدى جدية هذه الوثائق ورغبة الأحزاب في خوض نقاشات عامة واسعة حولها.
الكاتبة والمحللة السياسية شانتال هيبر رأت في مقالة رأي أن التأخير والتردد في الكشف عن الأطر المالية يعكس حالة من الارتجال السياسي، وربما اعترافًا ضمنيًا بصعوبة الدفاع عن وعود قد تتهاوى أمام اختبارات الواقع، خصوصًا في ظل تقلبات المشهدين الاقتصادي والجيوسياسي.
وعود من دون سند واقعي؟
مع اقتراب موعد الانتخابات في 28 نيسان/أبريل، لا تقتصر الضبابية على توجهات الناخبين، بل تشمل أيضًا مدى جدية البرامج الاقتصادية التي تطرحها الأحزاب الكبرى. فالليبراليون كشفوا عن إطارهم المالي في وقت متأخر خلال عطلة الفصح، فيما اختار المحافظون الانتظار حتى اليوم لإصدار وثيقتهم التفصيلية، ليكونوا بذلك آخر حزب من بين الأحزاب الكبرى في كندا يعلن عن كلفة وعوده الانتخابية. وقد سبقتهم الكتلة الكيبيكية نهاية الأسبوع، ثم الليبراليون والحزب الديمقراطي الجديد يوم السبت.
هذا التلكؤ في طرح المعطيات المالية عزز الانطباع بأن الحملة الانتخابية تدور في فراغ اقتصادي، وتفتقر إلى مرتكزات واقعية تتيح تقييم الوعود على أسس متينة.
وقد جاء إعلان المحافظين بعد انتهاء التصويت المبكر، ما دفع زعيم الحزب الليبرالي مارك كارني إلى اتهامهم بمحاولة “إخفاء خطتهم الكاملة عن الكنديين”. في المقابل، سخر زعيم المحافظين بيار بوالييفر من الخطة الليبرالية، واصفًا إياها بأنها “باهظة ومجنونة”، مشيرًا إلى أنها تتضمن إنفاقًا إضافيًا بقيمة 130 مليار دولار خلال أربع سنوات، وهو ما اعتبره وصفة لرفع كلفة المعيشة وتعزيز التضخم.
أما الخطة المالية لحزب المحافظين، فتتضمن وعودًا بخفض 10 مليارات دولار من الإنفاق الحكومي عبر تقليص نفقات الاستشارات والمساعدات الخارجية، مع رفع الإيرادات بما يقدر بـ70 مليار دولار من خلال تنشيط قطاع الموارد الطبيعية وتحفيز النمو الاقتصادي. وفي خطاب ألقاه في منطقة تورونتو الكبرى، شدد بوالييفر على أن التغيير المنشود يمر عبر “خفض الضرائب، بناء المزيد من المساكن، سجن المجرمين، واستغلال الثروات الطبيعية بهدف استعادة السيطرة على مستقبل كندا”.
وفي ما يتعلق بأزمة السكن، تعهد المحافظون ببناء 2.3 مليون وحدة سكنية خلال خمس سنوات، مستندين إلى خطة تشمل إعفاء ضريبيًا على المبيعات الفدرالية للمنازل الجديدة التي تقل قيمتها عن 1.3 مليون دولار، وربط تمويل البنى التحتية بمعدلات البناء في البلديات. كما وعد الحزب بطرح 15٪ من الأراضي الفدرالية للبيع لصالح مشاريع إسكان جديدة.
ولم تغب مسألة الهجرة عن خطة المحافظين، إذ تعهد بوالييفر بفرض سقف على عدد الوافدين الجدد لضمان أن يتجاوز عدد الوحدات السكنية الجديدة عدد القادمين إلى البلاد، مؤكدًا خلال زيارته إلى سكاربورو أن هذا التوجه يهدف إلى “القضاء على العجز السكني الذي فشل الليبراليون في معالجته”، وتشجيع المواطنين على تملك منازلهم.
وفي المحصلة، سواء كان الحديث عن الإعفاء من ضريبة الأرباح الرأسمالية المقترح من الليبراليين، أو إلغاء ضريبة المبيعات على المنازل الجديدة كما يقترح المحافظون، فإن هذه الوعود الانتخابية تبدو جذابة شعبيًا، لكنها تفتقر حتى الآن إلى تغطية مالية صلبة تُقنع الناخبين بجدواها الحقيقية.
مناظرات باهتة وصراع ثنائي
في عودة إلى المناظرات التي نُظّمت عشية عطلة الفصح، فقد انحصر النقاش فعليًا بين زعيمي الليبراليين مارك كارني والمحافظين بيار بوالييفر، في ما يشبه المسرحية ذات البطلين. نتائج استطلاع سريع أجرته مؤسسة “أباكوس” بعد مناظرة اللغة الإنكليزية أظهرت تقاربًا حادًا: 43٪ اعتبروا أن بوالييفر قدّم أداءً أقوى، مقابل 40٪ لصالح كارني.
هذه الثنائية دفعت الأحزاب الأخرى إلى الهامش. ورغم محاولات حزب الكتلة الكيبيكية والحزب الديمقراطي الجديد تغيير المسار عبر المناظرات، فإن المردود الانتخابي لذلك لا يزال ضعيفًا حتى الآن.
خطوة المحافظين باستدعاء رئيس الوزراء الأسبق ستيفن هاربر إلى الحملة قد تكون سيفًا ذا حدين، إذ قد تنفّر الناخبين الوسطيين المتأرجحين، ولاسيما في أوساط ناخبي الديمقراطي الجديد والكتلة الكيبيكية الذين قد يتجهون نحو الليبراليين في نهاية المطاف.
لجنة المناظرات تحت النيران
الجدل طال أيضًا لجنة تنظيم المناظرات التي واجهت انتقادات لاذعة على خلفية توقيت مناظرة اللغة الفرنسية، وإقصاء حزب الخضر، ومنحها مساحة لمنصات إعلامية مثيرة للجدل سبق أن اعتبرها القضاء الفدرالي غير مهنية.
ورغم ذلك، حظيت المناظرتان بإشادة نسبيّة بفضل أداء الصحافي الذي أدارها، أكثر مما يعود الفضل فيه إلى اللجنة المنظمة.
حملة على رمال متحرّكة
قبل أسبوع من فتح صناديق الاقتراع، تبدو الكفة متأرجحة، والضمانات غائبة. ومع أن تصويتًا مبكرًا قياسيًا سُجّل في عطلة نهاية الأسبوع، إلا أن ارتفاع نسبة المشاركة لا يزال غير مضمون، إذ تتراوح التقديرات حولها ضمن المعدلات المعتادة (62٪ كما في انتخابات 2021).
استطلاعات الرأي زادت المشهد ضبابية. ففي حين منحت شركة Nanos الحزب الليبرالي تقدّمًا مريحًا (44% مقابل 36% للمحافظين)، أظهرت بيانات Mainstreet_Research صورة معاكسة قبل أن تنتهي إلى تعادل إحصائي (41% لكل حزب) في بداية الأسبوع.
في كيبيك، ورغم استمرار تفوّق الليبراليين، تراجع الفارق بينهم وبين الكتلة الكيبيكية من 20 نقطة إلى 17 فقط خلال أيام. أما في بريتيش كولومبيا، فقد كشفت استطلاعات عن تقدّم المحافظين في دوائر كان يهيمن عليها الحزب الديمقراطي الجديد، ما يشير إلى تغيّر المزاج الانتخابي محليًا.
وفي منطقة 905 المحيطة بتورنتو، وهي حاسمة في حسم نتائج الانتخابات، أظهرت شركة Pallas_Data تفوّق الليبراليين بفارق سبع نقاط، ما يمنحهم فرصة لتعزيز مواقعهم في معقل انتخابي أساسي.
كل السيناريوهات مطروحة
آخر تحديثات خريطة المقاعد من موقع Qc125 تُظهر أن الليبراليين قد يحصدون 184 مقعدًا – فقط 12 مقعدًا فوق عتبة الأغلبية البرلمانية. وهذا يعني أن أي تراجع طفيف في أونتاريو أو بريتيش كولومبيا قد يُدخل البلاد مجددًا في دوامة الحكومات الأقلية.
الأيام المقبلة ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات. حملة 2025 تُشرف على نهايتها وهي محمّلة بالتكتيكات، مثقلة بالوعود، ولكن فقيرة باليقين. كندا تقترب من لحظة الحسم، فيما تبقى النتائج مفتوحة على جميع السيناريوهات — من فوز ليبرالي مريح، إلى زلزال انتخابي تقوده المعارضة.
21.3°