في تطوّر لافت يعكس التوترات السياسية والاقتصادية المتصاعدة بين كندا والولايات المتحدة، كشفت بيانات رسمية جديدة عن تراجع حاد في عدد الكنديين الذين عبروا الحدود نحو الأراضي الأميركية خلال شهر آذار/مارس الماضي، حيث انخفض عددهم بما يقارب المليون مسافر مقارنة بالشهر نفسه من العام 2024.
ووفقًا لأرقام هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، تم تسجيل 4,105,516 مسافرًا من كندا إلى الولايات المتحدة عن طريق البر والجو خلال شهر آذار/مارس، بانخفاض يُقدّر بـ864,844 مسافرًا مقارنة بالعام السابق، أي بتراجع نسبته 17.4%. ويُعدّ هذا الانخفاض الأكبر منذ القيود التي فرضتها جائحة كوفيد-19.
اللافت أن هذا التراجع يأتي في سياق تصاعد لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية، حيث لوّح مؤخرًا بفرض رسوم جمركية واسعة النطاق، بل وذهب إلى حد التهديد بضم أراضٍ كندية، وهو ما أثار استياءً واسعًا في الأوساط الكندية.
لم يقتصر تراجع الحركة الحدودية على شهر آذار/مارس فقط؛ فقد شهد شهر شباط/فبراير أيضًا انخفاضًا بحوالي نصف مليون مسافر مقارنة بالشهر ذاته من عام 2024. كما أفادت هيئة الإحصاءات الكندية الأسبوع الماضي أن عدد العائدين من الكنديين من الولايات المتحدة عن طريق البر انخفض بنسبة تقارب 32%، بينما سجلت العودة جوًا تراجعًا بنسبة 13.5%.
وعلى الجانب الآخر، تراجعت أيضًا زيارات الأميركيين إلى كندا، حيث انخفض عدد رحلات الأميركيين بالسيارة بنسبة 10.6% مقارنة بالعام الماضي، ما يؤكد أن حالة التراجع متبادلة وليست من طرف واحد فقط.
المفارقة أن الرحلات من كندا إلى دول أخرى سجلت زيادة بنسبة 9%، ما قد يشير إلى أن الكنديين لا يتراجعون عن السفر بشكل عام، بل يتفادون تحديدًا التوجه إلى الولايات المتحدة في هذه المرحلة المتوترة سياسيًا واقتصاديًا.
قد يقال إن الجغرافيا لا تتغير، لكن السياسات تغيّر الخرائط النفسية، وتعيد رسم حدود الثقة. ما نشهده اليوم ليس فقط انخفاضًا في حركة العبور، بل تراجعًا في الشعور بالأمان المتبادل. الكنديون لا يلغون سفرهم، بل يعيدون توجيهه… من جارٍ مضطرب إلى عوالم أقل تقلبًا. السؤال الحقيقي لم يعد متى ستعود الأرقام إلى سابق عهدها، بل: هل ما تم كسره على المستوى الرمزي والسياسي يمكن إصلاحه؟
21.3°