من المتوقع أن يتخذ مصرف كندا المركزي قرارًا بتجميد دورة خفض معدلات الفائدة هذا الأسبوع، وسط تصاعد معدلات التضخم، وتباطؤ سوق العمل، وتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية متبادلة كانت تهدد بإشعال حرب تجارية شاملة.
وأظهرت بيانات سوق المبادلات المالية يوم الجمعة أن احتمال الإبقاء على معدلات الفائدة من دون تغيير بلغ 58%، مقارنة بتوقعات قوية قبل يومين كانت تشير إلى خفض وشيك للفائدة من قبل المصرف المركزي الكندي.
هذا التحوّل في الرهانات والتوقعات الاقتصادية يعكس حالة من التخبّط التي تسببت بها قرارات ترامب المتقلبة بين فرض الرسوم الجمركية وتعليقها، ما زاد من ضبابية المشهد الاقتصادي وأربك توجهات السياسات النقدية.
وقال توني ستيلو، مدير التحليل الاقتصادي في “أوكسفورد إيكونوميكس”: “يريد مصرف كندا المركزي الاحتفاظ ببعض الذخيرة النقدية تحسّباً لأي ركود محتمل. وإذا قرر الخفض، فسيكون ذلك كنوع من التأمين الإضافي، لكنني أتوقع أن يفضل التريث حالياً”.
وكان البنك المركزي قد خفّض معدل الفائدة الأساسي بمقدار 225 نقطة أساس خلال الأشهر العشرة الماضية، ليستقر عند 2.75%، وهو المستوى المتوسط ضمن النطاق “الحيادي” الذي لا يُحفّز ولا يُقيّد النمو الاقتصادي.
وفي حال قرّر مصرف كندا المركزي تجميد خفض الفائدة، فستكون هذه أول مرة منذ يونيو/حزيران يتوقف فيها عن التخفيضات، في خضمّ دورة تيسير نقدي هي الأكثر جرأة بين البنوك المركزية الكبرى.
ومن المقرر أن يُعلن حاكم مصرف كندا المركزي، تيف ماكليم، عن القرار النهائي لمجلس السياسة النقدية يوم الأربعاء عند الساعة 9:45 صباحاً بتوقيت شرق كندا، تزامنًا مع نشر تقرير السياسة النقدية الفصلي.
ولأول مرة منذ جائحة كورونا، لن يُصدر البنك توقعًا اقتصاديًا واحدًا، بل سيطرح مجموعة من السيناريوهات المحتملة، نظراً إلى التعقيدات التي تُصعّب رسم مسار واضح للنمو.
وقد أدّى اضطراب الأسواق نتيجة قرارات ترامب التجارية، وتزايد المخاوف من تصعيد النزاع مع الصين، إلى تراجع في إنفاق المستهلكين والشركات على حد سواء، ما أثار مخاوف من دخول الاقتصاد الكندي في ركود أعمق من المتوقع.
وقال ديفيد دويل، المدير العام ورئيس قسم الاقتصاد في مجموعة “ماكواري”: “إذا استمرت هذه الفترة من عدم اليقين، فإن الركود الذي كنا نتوقعه في مارس قد يصبح أكثر حدة”.
يُضاف إلى ذلك ارتفاع التضخم في فبراير إلى 2.6%، وهو أعلى مستوى له منذ ثمانية أشهر، وخسارة 32,600 وظيفة في مارس/اذار – وهي المرة الأولى التي يفقد فيها الاقتصاد الكندي وظائف منذ ثلاث سنوات – ما يزيد من تعقيد القرار المنتظر بشأن معدلات الفائدة.
وختم دويل بالقول: “الأمور باتت ضبابية أكثر بفعل الحرب التجارية ومعطيات التضخم الأخيرة. كل ذلك يصعّب التنبؤ بالمسار المقبل للفائدة”.
يوحي هذا التردد في قرارات مصرف كندا المركزي بأن السياسة النقدية لم تعد تُدار فقط وفق المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل باتت أيضًا رهينة لتقلّبات الجغرافيا السياسية العالمية، وتحديدًا المزاج الأميركي المتقلب. وفيما يسعى مصرف كندا المركزي إلى الحفاظ على توازن هشّ بين كبح التضخم ومنع الانزلاق نحو الركود، يبدو واضحًا أن “الحياد النقدي” أصبح مسرحًا للمخاطر أكثر منه ضمانة للاستقرار.
لن يكون القرار المقبل اختبارًا للأرقام فحسب، بل لمدى قدرة مصرف كندا المركزي على امتصاص الصدمات الخارجية من دون التضحية بالثقة المحلية. في ظل غياب رؤية واضحة للنمو، واستمرار الشكوك بشأن مستقبل التجارة العالمية، فإن المراقبين لا ينظرون إلى قرار هذا الأسبوع كخطوة تقنية، بل كلحظة فاصلة في مستقبل الاقتصاد الكندي على المدى المتوسط.
21.3°