في مقابلة أُجريت أمس، ضمن برنامج Meet_the_Press على شبكة NBC، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن استخدام القوة العسكرية لضم كندا وجعلها الولاية الأميركية الحادية والخمسين “غير مرجح”، لكنه لم يستبعد هذا الخيار تمامًا. وأشار إلى أن كندا ستكون “الولاية الحادية والخمسين المحبوبة” بالنسبة إليه، معتبرًا أن هذا الضم سيسهم في إزالة الاحتكاكات التجارية بين البلدين .
تأتي هذه التصريحات في سياق التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وكندا، بعد فرضت إدارة ترامب في مارس/اذار 2025 تعريفات جمركية بنسبة 25% على معظم الواردات الكندية، باستثناء المنتجات الطاقية التي خضعت لرسم جمركي بنسبة 10% . ورغم أن ترامب أكد أن استخدام القوة العسكرية ضد كندا “غير مرجح للغاية”، إلا أن مجرد التلميح إلى هذا الخيار أثار قلقًا واسعًا في كندا، حيث أدان قادة سياسيون من مختلف الأطياف هذه التصريحات، مؤكدين على سيادة واستقلال بلادهم .
الجدير ذكره أن ترامب أبدى استعدادًا أكبر لاستخدام القوة العسكرية في ما يتعلق بغرينلاند، حيث صرّح بأنه لا يستبعد هذا الخيار لأسباب تتعلق بالأمن القومي .
بالنظر إلى تصريحات دونالد ترامب الأخيرة بشأن احتمال ضم كندا كـ”الولاية الحادية والخمسين”، من الضروري تجاوز السطح الإعلامي نحو قراءة تحليلية أعمق، تأخذ بالاعتبار الأبعاد السياسية والاستراتيجية لهذه اللغة الاستفزازية، حتى وإن بدت غير جدية أو قابلة للتحقق.
أولاً: رمزية اللغة والهيمنة الناعمة
تصريح ترامب لم يأتِ من رئيس بلدية مغمور، بل من رجل قاد أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، ولا يزال يمثل شريحة واسعة من الأميركيين الذين ينظرون إلى كندا لا كشريك، بل كحديقة خلفية للولايات المتحدة. حين يقول رئيس أميركي إن ضم كندا سيكون مفيدًا اقتصاديًا ويقلل الاحتكاك التجاري، فهو يُفرغ فكرة السيادة من مضمونها، ويحول كندا إلى ملحق اقتصادي قابل للاستيعاب، لا دولة ذات إرادة مستقلة. هذا نوع من الهيمنة الناعمة الممزوجة بالتلويح بالقوة الصلبة.
ثانياً: الرد الكندي واختبار السيادة
التصريحات تضع الحكومة الكندية أمام اختبار مزدوج: داخلي، يتمثل في ضرورة طمأنة الرأي العام والدفاع عن السيادة بلغة صارمة، وخارجي، من خلال بناء تحالفات أكثر استقلالية عن واشنطن، سواء اقتصاديًا أو أمنيًا، خاصة ضمن إطار العلاقات مع أوروبا وآسيا. الردود الخجولة أو “الدبلوماسية التقليدية” قد تُفهم على أنها ضعف في زمن يتطلب الوضوح والحزم.
ثالثاً: الخطر الكامن في تطبيع التطاول
الأخطر من محتوى التصريحات هو تكرارها وتحولها إلى جزء من الخطاب العام، ما يجعلها مألوفة وقابلة للتداول، وبالتالي يضعف حساسية الرأي العام تجاه انتهاك مبدأ السيادة. هذا النوع من التطبيع السياسي يهدد الأسس الليبرالية للنظام الدولي بحيث تُصبح حدود الدول وتاريخها وقوانينها عرضة للمزاج السياسي لزعيم شعبوي.
في الخلاصة
سؤال اللحظة ليس عمّا إذا كان ترامب جادًا أو لا. السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن لدولة مثل كندا أن تُعيد ترسيخ موقعها في عالم لا يحترم إلا من يفرض احترامه؟ هنا، الصمت ليس حكمة، بل قد يُقرأ كضوء أخضر لتكرار الإهانة، بصيغ أخرى، ومن أفواه أخرى.
25.1°