في خطوة لافتة على الساحة السياسية الكندية، كشفت حكومة جوستان ترودو عن خطة جديدة تهدف إلى تقليص أعداد المهاجرين على مدى السنوات الثلاث المقبلة، في مسعى واضح لاستعادة التوافق الوطني حول سياسات الهجرة. يأتي هذا التحرّك بعد فترة شهدت تدفقًا غير مسبوق للمهاجرين أدّى إلى ضغوط كبيرة على الموارد، وأسهم في تراجع الثقة العامة بإدارة الحكومة لهذا الملف الحيوي.
وكانت الحكومة تعرّضت في الآونة الأخيرة لانتقادات واسعة بسبب سياساتها التي ساهمت في زيادة أعداد العمال والطلاب الدوليين ذوي المهارات المتدنية، ما أوجد ضغطًا إضافيًا على سوق العمل أدى إلى تصاعد التوتر الاجتماعي. ووفقًا للإحصاءات الأخيرة، يقيم نحو ثلاثة ملايين شخص في كندا بصفة مؤقتة، وهو ما أوقع الحكومة في مأزق عدم قدرتها على تلبية مطالب الإقامة الدائمة لجميع هؤلاء.
وفي مؤتمر صحافي عُقد يوم أمس، أقرّ رئيس الوزراء ترودو بأن الحكومة فشلت في “تحقيق التوازن المطلوب” بين الحاجة إلى الهجرة وبين القدرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من القادمين. جاءت هذه الاعترافات في سياق الإعلان عن الخطة الجديدة التي تتضمن خفض عدد المقيمين الدائمين المستهدفين إلى 395 ألفًا بحلول عام 2025، بعدما كان الرقم المستهدف سابقاً 500 ألف.
ووفقًا للخطة الجديدة، سيتمّ تشديد إجراءات الهجرة وطلب مغادرة المقيمين المؤقتين الذين لا يستوفون معايير الإقامة الدائمة. وفي هذا السياق، أوضح وزير الهجرة مارك ميلر أن هذا التوجه جاء تلبية لمخاوف الكنديين بشأن أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة، مشددًا على أن الهجرة ليست السبب الوحيد وراء هذه الأزمات، ومحملاً جزءًا من المسؤولية إلى حكومات المقاطعات التي سمحت بانتشار غير منظم للكليات الخاصة التي تستقطب أعدادًا كبيرة من الطلاب الأجانب.
ومع هذا التراجع اللافت عن السياسات السابقة، يتساءل الكثيرون ما إذا كان هذا التحوّل يمثّل اعترافًا فعليًا من الحكومة بأخطائها في إدارة ملف الهجرة، أم أنه مجرّد محاولة سياسية لاستعادة ثقة الناخبين وسط الضغوط المتزايدة قبيل الانتخابات المقبلة.
ضرورة تحسين اختيار المهاجرين لتعزيز الاقتصاد
في ظل التغييرات الكبيرة التي أعلنتها الحكومة الكندية، يوم أمس الخميس، بشأن خفض أعداد المقيمين الدائمين، والإفصاح عن أهداف جديدة للهجرة المؤقتة، رأى كريستوفر وورزويك، رئيس قسم الاقتصاد في جامعة كارلتون، أن هذا التحول هو استجابة منطقية للتطورات الاقتصادية وظروف الهجرة في كندا.
فمع تزايد أعداد المهاجرين الدائمين والمقيمين المؤقتين بشكل كبير في السنوات الأخيرة، يبدو أن هذه الخطوة تعكس عودة إلى مستويات الهجرة السابقة، ما قد يخفف الضغط على قطاعات مثل الإسكان والرعاية الصحية، ويقلل من احتمالات مواجهة المهاجرين الجدد صعوبة في العثور على وظائف مناسبة.
ومع ذلك، سيعتمد النجاح الاقتصادي لهذه السياسات بشكل كبير على كيفية ودقة اختيار المهاجرين والمقيمين المؤقتين. لذا من الضروري أن تركز الحكومة الفدرالية وحكومات المقاطعات على جذب المهاجرين ذوي المهارات العالية، والذين تتجاوز قدراتهم متوسط مستوى المهارات في كندا. فرفع مستوى المهارات في المجتمع الكندي يُعتبر عنصر أساسي لرفع مستوى المعيشة وزيادة الإيرادات الضريبية التي تدعم برامج الرعاية الصحية والاجتماعية.
وأضاف أن استقطاب المهاجرين ذوي المهارات العالية يساهم في تعزيز الابتكار في قطاع الأعمال وتقليص فجوة الأجور، عبر الحدّ من التنافسية على الوظائف منخفضة الأجر. ولذا، شدد وورزويك على أن التركيز على الهجرة النوعية هو المفتاح لتحقيق المكاسب الاقتصادية المنشودة. لكنه أبدى قلقه إزاء بعض سياسات الهجرة الحالية، ولا سيما تلك المتعلقة بزيادة أعداد المتحدثين بالفرنسية خارج مقاطعة كيبيك معتبراً أن هذا التركيز قد يؤثر سلبًا على جودة المهارات، ما يقلل من الفوائد الاقتصادية المحتملة.
كذلك أشار إلى أن بعض برامج الترشيح في المقاطعات قد ينحرف عن هدف استقطاب الكفاءات لصالح سد النقص في سوق العمل، الذي يمكن مواجهته بزيادة الأجور أو الاستثمار في التكنولوجيا.
في ما يتعلق ببرامج الهجرة المؤقتة، أشاد وورزويك بخفض نسبة العمال الأجانب ذوي الأجور المنخفضة، لكنه اقترح إلغاء هذا البرنامج تمامًا، والتركيز بدلاً من ذلك على استقطاب اليد العاملة المؤقتة ذات الأجور المرتفعة، إلى جانب الطلاب الدوليين المتخصصين في مجالات متقدمة مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة.
واختتم وورزويك بالقول إن خفض أعداد المهاجرين يجب أن يتزامن مع اختيار كفاءات عالية، لضمان استمرار التوافق الوطني حول سياسات الهجرة في كندا، وهو ما شكّل جزءًا كبيرًا من تأييد الرأي العام لهذه السياسات على مدى السنوات الماضية.
تداعيات تقليص الهجرة الدائمة على مستقبل المهاجرين في كندا
لا شكّ أن كندا تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين بعد قرار الحكومة تقليص جميع أشكال الهجرة الدائمة، في خطوة أثارت قلق العديد من الخبراء. ورغم هذا التخفيض الملحوظ، لا يزال يُنظر إلى كندا كوجهة رئيسية للمهاجرين، إلا أن الضغوط المتزايدة على المهاجرين المؤقتين باتت واضحة، مع توقع مغادرة مئات الآلاف منهم البلاد لتحقيق الأهداف الجديدة.
توضح كاثرين كزارديس، عالمة السياسة في جامعة مونتريال، أن هذا التقليص سيؤدي إلى ظهور “عنق زجاجة” في النظام، بحيث ينتظر العديد من المهاجرين المؤقتين على الحصول على الإقامة الدائمة. ومع تقليص الحصص بشكل كبير، يواجه هؤلاء المهاجرون ضغوطًا متزايدة. ويخشى الخبراء من أن هذه الظروف قد تؤدي إلى زيادة عدد الأفراد الذين سيبقون في وضع غير قانوني.
في هذا السياق، تشير لورانس ترامب، المشاركة في رئاسة الجمعية الكيبيكية للمحامين في قضايا الهجرة، إلى أن قلّة التوقعات الناتجة عن هذا القرار تشكل مصدر قلق كبير، ولا سيما أن فترات الانتظار لمعالجة الطلبات أصبحت ثلاث إلى أربع مرات أطول في كيبيك مقارنة ببقية كندا.
وبينما يُنظر إلى القرار على أنه “تعديل” للنظام، تبقى المخاوف بشأن عدم الاستقرار الاقتصادي قائمة. ورغم عدم تفاجؤ أحد بالإعلان، إلا أن النقاش حول كيفية إدارة هذا الوضع يعكس صراعًا بين نموذجين مختلفين للهجرة؛ أحدهما يركز على العمالة المؤقتة، والآخر يسعى لاستقرار المهاجرين في البلاد.
وفي ظل تعهّد الحزب المحافظ، بزعامة بيار بوالييفر، بتشديد الرقابة على الحدود، تبرز تساؤلات حول تأثير هذه التغييرات على هوية كندا كمجتمع متعدد الثقافات.
21.1°