كما في كيبيك كذلك على المستوى الفدرالي، بداية الدورة البرلمانية تبدو مضطربة.
وإذا نظرنا باتجاه أوتاوا، نجد أن السؤال الأبرز الذي طُرح في الساعات الماضية هو التالي: هل سيكون هناك انتخابات قبل نهاية السنة؟
في الواقع، وبالعودة الى مستجدات الساعات الماضية، قرّر زعيم الحزب الديمقراطي الجديد، جاغميت سينغ، أن ينأى بنفسه عن الليبراليين الذين يتزعمهم جوستان ترودو، وذلك بعد عامين ونصف من توقيع اتفاق دعم غير مسبوق كان يضمن بقاء الحزب الليبرالي الكندي في السلطة كحكومة أقلية في مجلس النواب الكندي حتى شهر يونيو/حزيران 2025، مقابل موافقة الليبراليين على إقرار مشاريع قوانين تعني الكثير للديمقراطيين الجدد مثل رعاية الأسنان، والتأمين على الأدوية.
ورغم هذا التعاون الذي استمر منذ مارس/اذار 2022، لم يغب التوتر عن العلاقة بين الثنائي. ولم يخف سينغ مؤخراً استياءه من قرار حكومة ترودو فرض تحكيم ملزِم أعاد عمّال شركتي سكك الحديد الرئيسيتين في البلد (شركة سكك الحديد الوطنية الكندية CN وشركة كنيديان باسيفيك كانساس سيتي CPKC) إلى العمل بعد فشل المفاوضات بين النقابة التي تمثلهم وإدارتي الشركتين، ولا سيما بعدما كان طلب سينغ من الحكومة عدم التدخّل في النزاع بين الـ 9.300 عامل والشركتين.
ويزيد التوتر حدةً امتعاض ملموس داخل الحزب من هذا التحالف الذي يرى البعض أن بسببه يقوم الليبراليون بسحب الحزب الديمقراطي نحو الأسفل في وقت يجب أن يكون مستقلاً ويتمتع بحرية أكبر في المعركة أمام المحافظين الذي يسرقون منه ناخبين.
بالعودة إلى أحداث يوم أمس، وتحديداً في مطلع فترة بعد الظهر، بُثّ فيديو من دقيقتين تحدّث فيهما سينغ عن 900 يوم من التعاون مع الليبراليين، ومما قاله: ”الليبراليون ضعفاء جداً وأنانيون جداً ومقرّبون من فاحشي الثراء لدرجة تمنعهم من النضال من أجل الشعب. وهم ما عادوا يستطعيون إحداث تغيير ومنح الأمل“. ومما قاله أيضاً: ”’’لقد أثبت جوستان ترودو مراراً وتكراراً أنه يستسلم دائماً لضغوط الرؤساء التنفيذيين. لقد خذل الناس. إنه لا يستحق فرصة أخرى. هناك معركة أخرى تنتظرنا، وهي معركة مهمة: مواجهة بيار بوالييفر واقتطاعات المحافظين‘‘.
وأكّد سينغ أنه يريد خوض معركة مهمة، ستكون ضدّ التهديد الذي يشكّله فوز المحافظين، بحسب رأيه. وبالنسبة إليه لا يستطيع الليبراليون منع وصول بوالييفر إلى السلطة.
إذن، بالتزامن مع مواجهة الليبراليين لصعوبات جدية أمام المحافظين، اختار سينغ إنهاء الاتفاق الشهير، ما يهدد استقرار الحكومة الحالية ولا سيما أنها حكومة اقلية. ومن المتوقع أن تعيد هذه الخطوة الكبيرة تشكيل الديناميكيات السياسية في أوتاوا، رغم أنها قد لا تؤدي بالضرورة إلى انتخابات مبكرة.
طبعاً احتمال حصول هذه الانتخابات بات أكبر مما كان عليه صباح أمس، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن تفاديها. وربما يتمكن الليبراليون من عقد اتفاق مع طرف جديد. وفي هذه الحالة لم يبق سوى الكتلة الكيبيكية. وقد يكلّف الحكومة أي اتفاق معها كثيراً.
في هذا الوقت، لم يخف ترودو انزعاجه عندما رد على أسئلة الصحافيين في مؤتمر صحافي في مقاطعة نيوفاوندلاند واللابرادور. وهو أعرب عن أمله في أن يستمر زملاؤه في الحزب الديمقراطي الجديد في دعم سياساته، مشيراً إلى العديد من مشاريع القوانين التي تم تمريرها بفضل هذا الاتفاق الثنائي. وقال إنه يأمل في أن يظل تركيز الحزب الديمقراطي الجديد منصباً على وضع برامج لمساعدة الكنديين بدلاً من التركيز على المبارزة السياسية.
ومن جانبه، قد يبقى الحزب الديمقراطي الجديد منفتحاً على دعم بعض مشاريع القوانين الليبرالية بشكل منفرد، وفقاً لمصادر. يُشار إلى أن سينغ سيعقد مؤتمراً صحافياً عند الحادية عشر من قبل ظهر اليوم.
وهنا لا بدّ من لفت الانتباه إلى أن سينغ لم يُشر إلى نيته الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
ورغم أن سينغ قدم قراره فضّ الاتفاق الثنائي كخطوة جريئة ضد الليبراليين، إلا أن العديد يرَون أن هذه الخطوة ليست سوى محاولة للتباهي من دون إحداث تغيير حقيقي. فقد واصل سينغ استخدام خطاباته التقليدية ضد جشع الشركات، متجاهلاً قضية التصويت على الثقة في الحكومة، ما أثار تساؤلات حول مدى جدية قراره.
في هذا السياق، كتبت المحللة هيلين بوزيتي في صحيفة لو دروا بأن سينغ قام بخطوة جريئة يوم الأربعاء عندما هدد بقطع اتفاق التعاون مع الليبراليين بزعامة جوستان ترودو، ما أثار الدهشة نظرًا لعدم وجود ما يجبره على ذلك في هذه المرحلة من الموسم السياسي. ومع ذلك، يبدو أن هذا القرار مدفوع بالانتخابات الفرعية الجارية، وخاصة تلك في مانيتوبا. سينغ يراهن على الفوز في هذه الانتخابات لتعزيز موقفه، من دون اللجوء إلى الدعوة لانتخابات عامة في الوقت الحالي. قد يظل الربيع الفترة المفضلة لإجراء الانتخابات الفدرالية، إذا كان من المقرر إجراؤها.
وبينما يتهمه خصومه السياسيون، وعلى رأسهم زعيم حزب المحافظين بيار بوالييفر، بأنه متعاون مع ترودو لتحقيق مصالحه الشخصية، إلا أن سينغ يستمر في دعم سياسات الحكومة الليبرالية، وإن كان بلهجة أقل حدة. وعلى الرغم من التقدّم الذي أحرزه الحزب الديمقراطي الجديد من خلال الاتفاق الثنائي، بما في ذلك تنفيذ برامج مثل خطة الأسنان الفدرالية وإجازات مرضية مدفوعة الأجر، إلا أن سينغ يواجه انتقادات، حتى من داخل حزبه، لعدم اتخاذه موقفًا أقوى ضد الحكومة في ما يتعلق بحقوق العمال.
في هذا الوقت، ينوي زعيم حزب المحافظين تقديم اقتراح بعدم الثقة بالحكومة داخل البرلمان من أجل إسقاطها.
من جهتها، لا تبدو الكتلة الكيبيكة مستعجلة وحتى يمكنها التعاون مع الأقلية الليبرالية.
باختصار، انتهاء هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة أنّ الانتخابات الفدرالية ستحصل حتماً قبل نهاية ولاية الحكومة الحالية إنما بات على حكومة ترودو التفاوض مع أحزاب المعارضة في كلّ حالة على حدة لضمان نجاتها من تصويت على الثقة، وأيضاً لتمرير مشاريع قوانينها.
فهل ستكون خطوة سينغ هذه بداية لتراجع الحزب الديمقراطي الجديد، أم أنها ستفتح الباب أمام تغيرات جديدة في المشهد السياسي الكندي؟
21.3°