بضربة قلم، أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارة الحرة التي لطالما اعتمدت عليها أميركا الشمالية، مستخدمًا سلطته التنفيذية لفرض رسوم جمركية جديدة على أكبر شركاء بلاده التجاريين. من شأن هذه الخطوة أن تتسبب اضطراب هائل لعدد كبير من الشركات والعمال إذا بدأ تطبيق القرار يوم غدٍ الثلاثاء.
في انتظار نتائج الحديث الذي سيجريه الرئيس الأميركي مع رئيس الحكومة الكندية هذا الصباح، ثمة أسئلة عديدة تُطرح: ما الذي دفع ترامب لاتخاذ هذه الخطوة؟ وما هي الآثار المحتملة على الاقتصاد الكندي وكذلك على الاقتصاد الأميركي؟
التداعيات على الاقتصاد الأميركي والكندي
أولاً، تجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات الجمركية استهدفت قطاعات حيوية في كندا. في كيبيك، سيتعرض قطاع الألمنيوم والطيران لضربة قوية، بينما تُعتبر صناعة الطاقة في ألبرتا من بين الأكثر تضررًا، نظرًا لصعوبة إيجاد أسواق بديلة لتعويض الخسائر.
أما بالنسبة إلى المقاطعات التي ستتأثر بشكل كبير بهذه الرسوم، فتصدرت أونتاريو قائمة المقاطعات المصدرة إلى الولايات المتحدة في عام 2023، بينما ستكون مقاطعات مثل نيو برونزويك وألبرتا أكثر عرضة لهذه الإجراءات بسبب اعتمادها الكبير على الصادرات الأميركية.
ورغم هذه التداعيات السلبية على الاقتصاد الكندي، فإنه من غير الممكن إغفال الآثار التي ستترتب على الاقتصاد الأميركي أيضًا، نظرًا إلى اعتماده على العديد من المواد الكندية. ففي محاولة لاستعادة “عظمة أميركا”، يرى البعض أن ترامب سيتسبب برفع أسعار الإنتاج في الولايات المتحدة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على المستهلك الأميركي. وقد اعترف ترامب بنفسه في تصريحات أمس الأحد أن هذه الرسوم قد تتسبب بمعاناة المواطنين الأميركيين، لكنه أكد أن “الأمر يستحق”.
وفي تصريحاته، اتهم ترامب كندا بأنها استغلت أميركا لسنوات طويلة، علماً أنه غاب عن هذه التصريحات أي إشارة لمشكلة الفنتانيل، وهو ما يعزز فرضية أن ترامب لا يرى هذا المخدر سبباً رئيسياً لهذه الرسوم.
مساء أمس، قال في تصريحاته إن الرسوم الجمركية فُرضت لأن “كندا تدين لنا بالكثير من المال”، مؤكدًا أنه واثق من أن “هم سيدفعون”.
أما المحللون، فقد أشاروا إلى أن السبب الرئيسي قد يكون طمع ترامب في الموارد الطبيعية الكندية. فهل هو يسعى إلى تحويل شمال أميركا إلى نموذج مشابه للاتحاد الأوروبي؟
على ذكر الاتحاد الاوروبي، هو أكد مساء أمس الأحد أن المنتجات الأوروبية ستتعرض قريبًا لفرض رسوم جمركية. وأوضح قائلاً: «إنهم يستغلوننا حقًا، فنحن نعاني من عجز تجاري يصل إلى 300 مليار دولار. فهم لا يستوردون سياراتنا ولا منتجاتنا الزراعية تقريبًا، بينما نستورد منهم ملايين السيارات وكميات هائلة من المنتجات الزراعية»، مضيفًا: «ليس لدي جدول زمني، لكن هذا سيحدث في وقت قريب جدًا».
يسأل البعض كيف يمكن له التصرف بهذه الحرية. في الواقع، في النهاية، يتمتع ترامب بسلطة واسعة بفضل تفويضات الكونغرس المستمرة للرؤساء على مدى عقود، وهو أمر يراه البعض كإهمال من قبل المشرعين الأميركيين، الذين يفضلون تجنب تحمل المسؤولية المباشرة عن السياسات الاقتصادية الكبرى.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية
لا تقتصر الآثار السلبية على الاقتصاد فقط، بل تشمل أيضًا الوظائف في كلا البلدين، ما قد يؤدي إلى أزمة اجتماعية. الخبراء يحذرون من إمكانية فقدان آلاف الوظائف، ولا سيما في الشركات التي استثمرت في كندا للإفادة من اتفاقات التجارة الحرة، والتي قد تقرر نقل نشاطاتها إلى أسواق أخرى. بينما قد تضطر بعض الشركات إلى تقليص الإنتاج وتسريح العمال. وفي ظل هذه الظروف، تزداد المخاوف من ركود اقتصادي في كندا، خصوصًا مع تباطؤ النمو الذي يشهده الاقتصاد منذ فترة.
هذا وشهد الدولار الكندي انخفاضًا ملحوظًا، حيث تراجع إلى أقل من 68 سنتًا أميركيًا، ما أثار قلقًا في الأسواق العالمية. في الوقت نفسه، شهدت مؤشرات البورصات، مثل مؤشر داو جونز، انخفاضًا، ما يعكس حالة الترقب في الأسواق المالية.
من ناحية أخرى، هناك بعض الآمال الطفيفة في ظل هذه الأزمة، حيث يتوقع البعض انخفاض أسعار الوقود في كندا مع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، مما قد يعزز العرض في السوق الكندية. كما يتوقع بعض الخبراء انخفاض أسعار الكهرباء للمستهلكين التجاريين والصناعيين، وهو ما قد يشجع على الاستثمارات المحلية.
ردود الفعل الكندية
في مواجهة هذه الأزمة، لم تقف الحكومة الكندية مكتوفة الأيدي. فقد أعلن رئيس الوزراء الكندي جوستان ترودو عن إجراءات انتقامية صارمة ستفرض بموجبها كندا رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات أميركية بقيمة 155 مليار دولار تشمل 1,200 منتج مختار مثل عصير البرتقال، زبدة الفول السوداني، المشروبات الروحية، النبيذ، القهوة، الأجهزة الكهربائية، الملابس، الأحذية، الدراجات النارية، مستحضرات التجميل، والورق.
كذلك أعلنت الحكومة الفدرالية أنها ستفرض رسومًا إضافية على واردات أميركية بقيمة 125 مليار دولار، بعد فترة مشاورات عامة لمدة 21 يومًا، وتشمل هذه المنتجات السيارات، الشاحنات، بعض الفواكه والخضروات، والمعدات الجوية، واللحوم الحمراء، ومنتجات الألبان.
وفي كيبيك، اتخذت الحكومة المحلية موقفًا حازمًا، إذ أعلنت عن منع استيراد النبيذ الأميركي من أسواق المقاطعة، وهي خطوة قوبلت أيضًا بالمثل في مقاطعة أونتاريو.
في ظل التهديدات المتصاعدة، كان الاتحاد اللافت بين الحكومة الفدرالية وحكومات المقاطعات الكندية في سعيهما المشترك لدرء التداعيات الاقتصادية الكبيرة.
موقف حكومات المقاطعات
أعربت حكومات المقاطعات عن دعمها لرد الحكومة الفدرالية، وبدأت في اتخاذ إجراءاتها المضادة.
نوفا سكوشا: أعلن رئيس الوزراء تيم هوستون أن المقاطعة ستفرض قيودًا على وصول الشركات الأميركية إلى المناقصات الحكومية، وستبحث عن سبل لإلغاء العقود الحالية. كما ستضاعف رسوم العبور في Cobequid Pass، وستقوم هيئة الخمور في نوفا سكوشا بإزالة جميع المشروبات الكحولية الأميركية من أرففها بدءًا من الثلاثاء.
بريتش كولومبيا: أعلن رئيس الوزراء ديفيد إيبي أنه أصدر توجيهات إلى هيئة توزيع المشروبات الكحولية في المقاطعة بالتوقف فورًا عن شراء الكحول الأميركي القادم من الولايات ذات الأغلبية الجمهورية. كما أصدرت الحكومة بيانًا أكدت فيه أن المقاطعة ستعطي الأولوية لشراء المنتجات الكندية في العقود والمؤسسات الحكومية.
ألبرتا: قالت رئيسة الوزراء دانييل سميث إنها “محبطة” من قرار ترامب، الذي “سيقوض العلاقة الاستراتيجية المهمة بين بلدينا”. وأكدت أن مقاطعتها “ستبذل كل ما في وسعها لإقناع الرئيس الأميركي والكونغرس والشعب الأميركي بالتراجع عن هذه السياسة المدمرة للطرفين”.
لكنها شددت أيضًا على أنها ستعارض “بشدة” أي جهود لفرض ضرائب على صادرات النفط الكندية إلى الولايات المتحدة، قائلة إن ذلك سيضر بالكنديين أكثر من الأميركيين.
وبالتزامن مع هذه الإجراءات، شهدت المجتمعات الكندية حملات حثت المواطنين على تفضيل المنتجات المحلية.
طعن كندي لدى منظمة التجارة العالمية
إضافة إلى فرض الرسوم الجمركية المضادة، تعتزم الحكومة الكندية تقديم طعن لدى منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الأميركية، مؤكدة أن هذه الإجراءات تنتهك التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية CUSMA.
التداعيات المستقبلية
هل سنشهد أزمة طويلة الأمد ستعيد تشكيل العلاقات التجارية بين كندا والولايات المتحدة؟ أم ستكون هذه الإجراءات مجرد عاصفة عابرة يتجاوزها الاقتصادان بعد فترة من التكيف؟
يقول الخبراء إن تصعيد تجاري بهذا الحجم يمكن أن يتسبب في خسارة مليارات الدولارات من الناتج المحلي الإجمالي لكندا، مما قد يدفع البلاد إلى ركود اقتصادي حاد يحتاج إلى تحفيز حكومي كبير لدعم الاقتصاد.
وفقًا لتوقعات كبار المصارف المحلية مثل BMO وTD، فإن الاقتصاد الكندي قد يدخل في ركود بحلول نهاية العام، مع احتمال خفض معدلات الفائدة لتحفيز الاقتصاد.
لكن يبقى السؤال الأكبر: هل ستتغير العلاقات التجارية بين الدولتين نحو الأفضل أم ستظل السياسة التجارية المتقلبة تعرقل استقرار الاقتصاد؟ الإجابة قد تتكشف في الأيام القادمة، مع تصاعد المطالب بحوار دبلوماسي لحل الأزمة.
ختامًا
لا شك أن هذه الأزمة التجارية تمثل تحديات كبيرة للاقتصاد الكندي والأميركي، وتؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين. لكن قد تكون أيضًا فرصة لإعادة تقييم السياسات الاقتصادية وتنويع العلاقات التجارية، ما يعزز قدرة الدول على مواجهة التقلبات العالمية.
21.3°