رغم تعهّدات متكررة من حكومة جوستان ترودو بخفض معدلات الهجرة بشكل كبير، كشف تقرير جديد أن النمو السكاني في كندا لا يزال مرتفعًا ولم يشهد انخفاضًا ملحوظًا.
في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن رئيس الوزراء جوستان ترودو عن سلسلة من الإجراءات للحدّ من الهجرة بهدف “وقف النمو السكاني”. حتى أنه أعرب عن ندمه لعدم اتخاذ هذه الخطوة في وقتٍ مبكر، قائلاً: “كان بإمكاننا التحرك بشكل أسرع وإغلاق الصنبور قبل ذلك”.
ورغم التراجع الحاد في عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى كندا خلال الأشهر الأربعة الماضية، أظهر تحليل جديد صادر عن مجموعة ديجاردان أن البلاد لا تزال تستقبل أعدادًا مماثلة من العمال الأجانب المؤقتين والمهاجرين الدائمين.
وأشار التقرير إلى أن النمو السكاني في كندا لا يزال عند مستوياته المرتفعة السابقة، ولن يتغير ذلك ما لم يتم تنفيذ “تخفيضات أكثر صرامة”.
وجاء في التقرير: “ما زلنا نشك في قدرة الحكومة الكندية على تحقيق هدفها المعلن بشأن خفض عدد الوافدين”. كما أشار إلى أن حكومة ترودو غالبًا ما تطرح وعودًا تفشل في تنفيذها، وأن مسألة تقليص الهجرة تعدّ مثالًا واضحًا على ذلك.
الهجرة عند أعلى مستوياتها رغم الضغوط
بعد جائحة كوفيد-19، قامت حكومة ترودو برفع معدلات الهجرة إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ كندا، ما أدى إلى زيادة سكانية بلغت 3.5 مليون شخص بين عامي 2021 و2024، أي ما يعادل إضافة عدد سكان منطقة مترو فانكوفر بالكامل. في بعض الفترات، كانت كندا واحدة من أسرع الدول نموًا سكانيًا في العالم بحيث استقبلت عددًا من المهاجرين يعادل تقريبًا عدد الوافدين إلى الولايات المتحدة، رغم أن عدد سكانها يشكّل عُشر عدد سكان أميركا.
أدى تدفق الوافدين الجدد إلى الحفاظ على استقرار الناتج المحلي الإجمالي الكندي، لكن ذلك جاء على حساب ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الضغط على الخدمات الاجتماعية.
حتى الحكومة الفدرالية نفسها أقرت بالتأثير السلبي للهجرة المرتفعة، إذ قال ترودو في 2023 إن الارتفاع الحاد في أعداد المهاجرين المؤقتين تسبب في “ضغط كبير على النظام بأكمله”، ولا سيما في ما يتعلق بأسعار الإيجارات وشراء المنازل.
كما أظهرت استطلاعات رأي عدة أن غالبية الكنديين يرون أن أعداد المهاجرين باتت تفوق قدرة البلاد على الاستيعاب. ووفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة ليجيه في أكتوبر/تشرين الأول، فإن 65% من المشاركين اعتبروا أن كندا تستقبل عددًا مبالغًا فيه من المهاجرين.
التراجع المتوقع في أعداد السكان قد لا يتحقق
بحسب التعديلات الأخيرة التي أعلنتها حكومة ترودو، كان من المفترض أن تسجّل كندا انخفاضًا في عدد السكان لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بمعدل مليون نسمة خلال عامي 2025 و2026. لكن تقرير ديجاردان أشار إلى أن الحكومة لم تحقق حتى الآن سوى نجاح محدود في خفض أعداد الطلاب الدوليين، بينما بقي عدد العمال الأجانب المؤقتين والمهاجرين الدائمين من دون تغيير يُذكر.
ففي 2023، كان هناك 280 ألف طالب دولي أقل مقارنة بالعام الذي سبقه، كما انخفض العدد الإجمالي للمقيمين غير الدائمين الجدد بمقدار 468 ألفًا، نتيجة مغادرة بعض العمال المؤقتين لكندا طواعية. ومع ذلك، لم يتراجع عدد العمال الأجانب المؤقتين سوى بنسبة 1% فقط، أي بحوالي 1,700 عامل فقط، في حين لم تبدأ التخفيضات التي وعدت بها الحكومة على صعيد الهجرة الدائمة حتى الآن.
وكان الليبراليون أعلنوا في أكتوبر/تشرين الأول عن خطة لخفض عدد المقيمين الدائمين بنسبة 20%، من 500 ألف إلى 380 ألف، لكن البيانات الفدرالية التي استند إليها تقرير ديجاردان أكدت أنه “لم يتم حتى الآن تسجيل أي انخفاض في أعداد المهاجرين الدائمين”، ما دفع التقرير للاستنتاج بأن “الحكومة لا تزال بعيدة عن تحقيق أهدافها السكانية”.
ارتفاع كبير في طلبات اللجوء
إضافة إلى ذلك، كشف التقرير عن زيادة حادة في طلبات اللجوء، إذ استقبلت كندا 28 ألف طالب لجوء في 2024، بزيادة 20% عن العام السابق. وأرجع التقرير هذا الارتفاع جزئيًا إلى توجه بعض الطلاب الدوليين للمطالبة بوضع لاجئ بعد انتهاء تأشيراتهم الدراسية.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن وعود حكومة ترودو بخفض الهجرة ما زالت بعيدة عن التحقق، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرتها على تنفيذ التعديلات التي تعهدت بها وسط التحديات الإدارية المتزايدة.
23.2°