تشهد الولايات المتحدة الأميركية واحدة من أشدّ موجات النزيف الأكاديمي في تاريخها الحديث. أسباب هذا النزيف عديدة: تضييق على الحرية الأكاديمية، تخفيضات حادة في تمويل البحوث، وضغوط سياسية مباشرة على الجامعات، ولا سيما تلك التي لا تسير في خط السلطة. في هذا المناخ القاتم، تلوح أمام كيبيك فرصة غير مسبوقة: استقطاب النخب الأكاديمية الأميركية الهاربة.
لكن وراء هذه الفرصة الذهبية، تقبع معادلة معقدة: جذب الباحثين المرموقين لا يتم بمجرد تقديم عروض عمل، بل يتطلب «كثيرًا من المال»، كما قالها صراحةً رؤساء ثلاث من كبريات الجامعات في المقاطعة: جامعة كيبيك في مونتريال (UQAM)، جامعة مونتريال، وجامعة لافال.
العقول تتدفق من أميركا… ولكن إلى أين؟
الجامعات الأوروبية، وتحديدًا في بلجيكا، أدركت خطورة اللحظة وسارعت إلى تخصيص مئات الملايين من الدولارات لتأمين انتقال سلس للباحثين الأميركيين، مع عائلاتهم، إلى أوروبا. كيبيك تمتلك المقوّمات: لغة، تنوع، مؤسسات أكاديمية ذات جودة. لكنها تفتقر حتى الآن إلى القرار السياسي الجريء والتمويل الكافي.
رئيس جامعة مونتريال، دانيال غوتراس، قالها بوضوح: نحتاج إلى تدخل مباشر من كيبيك وأوتاوا لتمويل هذه العملية. الأمر لا يتعلق فقط بالرواتب، بل بتسهيل هجرة العائلات، توفير البنية التحتية، وتسريع الإجراءات التي قد تستغرق اليوم بين 15 و24 شهراً.
لماذا يجب أن نتحرك الآن؟
لأن الوقت ليس حليفنا. الباحثون الأميركيون الذين يفكرون في المغادرة يتلقون بالفعل عروضاً من جامعات في أونتاريو، بريتيش كولومبيا، أوروبا، بل وحتى آسيا. التباطؤ في الاستجابة لن يؤدي فقط إلى تفويت الفرصة، بل إلى تكريس موقع كيبيك كمقاطعة ذات طموح أكاديمي محدود.
في هذا السياق، حذّرت صوفي دامور، رئيسة جامعة لافال، من أن الضغط المالي الحالي على الجامعات الكيبيكية يهدد جوهر مهمتها: البحث والتطوير. بل إن هذه الضغوط قد تنعكس سلبًا على مبدأ الحرية الأكاديمية نفسه، في مفارقة مؤلمة.
التحدي الحقيقي: الاستثمار في المستقبل
هذه لحظة اختبار حقيقية للحكومة الكيبيكية. هل ستواصل تكرار الشعارات حول «مجتمع المعرفة» دون أن تترجمها إلى سياسات ملموسة؟ أم ستقتنص هذه الفرصة وتحوّل كيبيك إلى ملاذ علمي دولي فعلي؟ الكفة لم تُحسم بعد.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط المال، بل الرؤية: هل نريد فعلاً أن تكون جامعات كيبيك في مصاف الجامعات العالمية؟ أم سنظل نتعامل مع التعليم العالي كملف هامشي؟
لعل ما يجري الآن في الولايات المتحدة فرصة لنا، ولكنها في الوقت ذاته اختبار لقدرتنا على الحسم والاستثمار الجريء.
22.2°