في خطوة مفاجئة هزّت المشهد السياسي الكندي، أعلنت وزيرة المالية كريستيا فريلاند استقالتها من الحكومة، متهمة رئيس الوزراء جوستان ترودو بـ”الحيل السياسية المكلفة” وافتقار السياسات إلى ما وصفته ب”المساحة المالية الضرورية لمواجهة أزمات تجارية محتملة”.
ورغم أن فريلاند تُنسب لها نجاحات بارزة، كإدارة الاستجابة لجائحة كوفيد-19 وبرنامج الرعاية النهارية الوطني، إلا أن النقاد يسلطون الضوء على سجلها الذي تخلّلته مستويات إنفاق مرتفعة وعجز مالي متزايد. فبحسب تحديث مالي حديث، بلغ العجز في الموازنة 61.9 مليار دولار لعام 2023-2024، متجاوزًا سقف 40.1 مليار دولار الذي حددته فريلاند نفسها العام الماضي.
التأخر في ضبط الإنفاق
يرى مراقبون أن المشكلة الرئيسية في سياسات فريلاند كانت عدم سحبها للإنفاق الحكومي تدريجيًا مع تعافي الاقتصاد من تداعيات الجائحة. ويقول كريستوفر ريغان، مدير مدرسة ماكس بيل للسياسات العامة بجامعة ماكغيل: “إذا كان دورها الأساسي إعادة ترتيب البيت المالي بعد كوفيد، فمن الصعب القول إنها حققت ذلك”.
من جهته، أشار روبرت أسلين، نائب الرئيس الأول لمجلس الأعمال الكندي، إلى أن استمرار الحكومة في الإنفاق خلال فترة النمو الاقتصادي أدى إلى زيادة الضغوط على السياسة النقدية وارتفاع تكاليف خدمة الدين الحكومي. وأضاف: “لم يقرؤوا الدورة الاقتصادية بشكل صحيح”.
تحديات الاقتصاد والتضخم
عانت ولاية فريلاند من ظروف اقتصادية صعبة، حيث ارتفع التضخم إلى 8.1% في 2022، وهو الأعلى منذ أربعة عقود، ما دفع مصرف كندا المركزي إلى رفع معدلات الفائدة من 0.25% إلى 5% في غضون 18 شهرًا. هذا الارتفاع شكل عبئًا إضافيًا على ميزانيات الأسر والدين الحكومي.
ورغم الانتقادات الداخلية، يرى بعض الاقتصاديين أن الوضع المالي لكندا لا يزال جيدًا نسبيًا مقارنة بدول مجموعة السبع. وأشار كيفين ميليغان، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا البريطانية، إلى أن كندا تمتلك أدنى عجز بين اقتصادات المجموعة وفقًا لصندوق النقد الدولي.
السياسات الصناعية والإسكان
مع تراجع السياسات المرتبطة بالجائحة، ركزت فريلاند على دعم الصناعة والإسكان. فقد تضمنت موازنة 2023 حوافز ضريبية لمشاريع الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، ردًا على قانون خفض التضخم الأميريي. أما موازنة 2024، فركزت على تسريع بناء المساكن من خلال تحفيز البلديات والمطورين، مع زيادة ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأثرياء والشركات.
غير أن البعض، مثل دان كيلي، الرئيس التنفيذي للاتحاد الكندي للأعمال المستقلة، يشير إلى أن فريلاند كانت منفتحة على الحوار والتسويات، قائلًا: “قد لا تكون السياسات مثالية، لكنها نجحت في تقليل أضرارها المحتملة”.
يبقى سؤال محوري وهو التالي: مع استقالة فريلاند وارتفاع مستويات العجز، هل تواجه الحكومة الكندية أزمة في قدرتها على تحقيق الاستقرار المالي، أم أن سياساتها ما زالت تسير في الاتجاه الصحيح؟
21.3°