تجاوزٌ في التكاليف بمئات الملايين من الدولارات ثم نسمع أحد رؤساء مجلس إدارة مؤسسة التأمين على السيارات في كيبيك (SAAQ) السابقين يقول: “هذا ليس ما سيمنع الأرض من الدوران.”
لكن الحقيقة أن الأرض لا تتوقف، بل ما يجب أن يتوقف هو هذا النمط المألوف من انعدام المساءلة. نظامٌ يُهدر فيه المال العام من دون حسيب ولا رقيب، وتُرفع فيه التحذيرات وتُدفن، ويُقصى كل من يجرؤ على قول الحقيقة.
بالأمس، استمعنا إلى الشهادة القوية للمدقق الداخلي السابق دانيال بيليتييه، الذي دق ناقوس الخطر مبكرًا، وقال إن الكارثة قادمة. تجاهلوه. سخروا منه. واليوم يتبيّن أنه كان على حق.
أما وحدة مكافحة الفساد (UPAC)، فقد استمعت إليه قبل أكثر من عام… ثم ماذا؟ لا مداهمات. لا تحقيقات ظاهرة. لا مساءلة.
إذا كان هذا الكم من الهدر والتجاوز والتواطؤ لا يكفي لفتح تحقيق حقيقي، فمتى تتحرك الشرطة؟
سؤال بسيط طرحه الإعلامي باتريك لاغاسي، باسم كل دافع ضرائب في كيبيك، ونحن ايضاً نسأل معه: “ألو؟ UPAC؟ هل من أحد على الخط؟”
في تطوّر لافت ضمن جلسات لجنة التحقيق برئاسة القاضي دوني غالان، ألقى العضو السابق في مجلس مؤسسة التأمين على السيارات في كيبيك (SAAQ)، جود مارتينو، الضوء على ما وصفه بـ«ثقة مفرطة» منحها المجلس للمديرة العامة السابقة، ناتالي ترمبلاي.
ففي شهادته أمام اللجنة، أقرّ مارتينو بأن المجلس كان من الممكن أن يطلب، منذ البداية، وجود شخص محايد إلى جانب المديرة العامة، يتمتع بخبرة في تكنولوجيا المعلومات وإدارة المشاريع، لتفادي اختلال التوازن في اتخاذ القرارات التقنية الكبرى.
وأضاف أن الثقة الكبيرة التي حظيت بها ترمبلاي استندت إلى تاريخها المهني، خاصة أن مؤسسة التأمين على السيارات في كيبيك SAAQ كانت تُعدّ نموذجًا يُحتذى به داخل الإدارة العامة في السابق.
غير أن مسار الأمور انحرف مع تعاظم نفوذ نائب الرئيس لشؤون تكنولوجيا المعلومات، كارل مالانفان بحيث أفادت شهادات عدّة بأن هذا الأخير بات يتمتع بسلطة غير متناسبة داخل الجهاز. وقد أشار المحامي المكلف بالتحقيق، ألكسندر تيريو ماروا، بوضوح إلى غياب «شخص يوازن بين ترمبلاي ومالانفان»، في إشارة إلى خلل إداري بنيوي.
وفي ما يمكن اعتباره مقلقًا أكثر، أكد مارتينو أنه عندما تم تنبيهه إلى وجود علاقات تربط مالنفان ببعض المورّدين الذين حصلوا على عقود، لم يرَ في ذلك حينها سوى «خطيئة بسيطة»، على حدّ وصفه، ما دام لم يتم خرق القواعد الرسمية، رغم التحذيرات التي قدمها المدقق الداخلي.
لكن المؤشر الأبرز على سوء الإدارة تجلى في تضخم ساعات العمل الإضافية بشكل غير مبرر: من 800 ألف ساعة متوقعة إلى مليوني ساعة! ورغم محاولته الدعوة إلى مراجعة معمقة، قوبلت دعوة مارتينو برفض زملائه خشية إغضاب المديرة العامة، وهو ما اعتُبر إخفاقًا في ممارسة الدور الرقابي الحقيقي.
وما يزيد الطين بلة هو الكشف عن توقيع 1879 «عقدًا موازيًا» في إطار مشروع التحول الرقمي، خارج نطاق العقد الأساسي الموقع مع مجموعة “Alliance” بقيمة 458 مليون دولار. شملت هذه العقود استشارات تقنية ودعماً لتصحيح ما بات يعرف إعلاميًا بـ”فضيحة SAAQclic”.
في الحقيقة، ما نشهده اليوم ليس مجرد تعثر إداري، بل نموذج لكيفية انزلاق مؤسسة حكومية من موقع «نموذج ناجح» إلى عنوان للتجاوزات وغموض الحوكمة. فحين تُغلب المجاملة على المساءلة، وتُمنح الثقة بلا شروط، تكون النتيجة اختلالًا وظيفيًا تُدفع أثمانه من المال العام.
من الواضح أن لجنة غالان لن تكتفي بالتشخيص، بل تتجه نحو تركيز الضوء على مسؤوليات محددة. وهنا، يكمن التحدي في ما إذا كانت هذه التحقيقات ستُترجم إلى إصلاح فعلي، أم أنها ستبقى في حدود العناوين.
خلاصة القول: الثقة من دون رقابة تُفضي إلى العمى المؤسسي. ومؤسسة التأمين على السيارات في كيبيك SAAQ قد تكون حالة صارخة لهذا الدرس.
22.2°