يتحرّك رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بخطى سريعة وواضحة المعالم، في سباق مع التوقعات والطموحات. وبعد زيارته إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، خرج كارني من اللقاء دون توتر يُذكر، بل وصف مقربون الأجواء بالإيجابية، مشيرين إلى أن ترامب تعامل معه على قدم المساواة — وهو تفصيل لم يكن ليحصل في عهد ترودو، ويعدّه البعض مؤشرًا سياسيًا لافتًا.
لكنّ العيون تتجه الآن إلى الداخل الكندي، وتحديدًا إلى التشكيلة الحكومية المنتظرة التي من المقرر أن تُعلن رسميًا يوم الثلاثاء، حين تؤدي الحكومة اليمين الدستورية أمام الحاكمة العامة ماري سيمون في قصر ريدو، عند الساعة 10:30 صباحًا (بتوقيت شرق كندا). ومن غير المتوقع أن تُكشف الأسماء قبل وقت قصير من أداء القسم، ما يزيد من مناخ الترقّب.
حكومة بكفاءة مضاعفة؟
تشير تسريبات حزبية إلى أن كارني لا يكتفي بإعداد لائحة وزارية تقليدية، بل يدرس اعتماد هيكلية مزدوجة الطابع: فريق أساسي من الوزراء المعنيين بالملفات الكبرى، يجتمع بانتظام ويقود العمل التنفيذي، مقابل مجموعة أوسع من وزراء الدولة الذين يضطلعون بمهام قطاعية محددة، ويُستدعون عند الحاجة فقط.
هذا التوجه يعكس رغبة كارني في تقليص حجم الحكومة مقارنة بحكومة ترودو التي ضمّت 40 وزيرًا، كما يستلهم النموذج البريطاني الذي يعرفه كارني جيدًا من تجربته السابقة كمحافظ لبنك إنكلترا.
توازن النوع الاجتماعي… ولكن؟
كارني أعرب عن التزامه الواضح بتحقيق التوازن بين النساء والرجال في تشكيلته الحكومية. إلا أن هيكلته الأولى، رغم قربها من المناصفة (13 رجلًا و11 امرأة)، أثارت انتقادات لغياب وزارات تُعنى بشكل مباشر بقضايا النساء، الشباب، ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن — وكلها كانت موجودة في حكومة ترودو السابقة.
أسماء في الواجهة
من بين الأسماء المتداولة لرئاسة ديوان رئيس الوزراء، يبرز كل من مارك-أندريه بلانشار، السفير السابق لدى الأمم المتحدة، وسيروس ريبورتر، الذي سبق أن شغل المنصب نفسه مع ترودو، قبل أن يصبح مستشارًا بارزًا في مكتبه. لكن بلانشار نفى وجود مفاوضات رسمية حتى الآن.
أما الوزير السابق للأمن العام، ماركو منديتشينو، الذي يشغل حاليًا هذا المنصب، فقد تعرّض لاستياء واضح من زعيمي المحافظين والحزب الديمقراطي الجديد، مما يعزز فرضية التغيير في هذا الموقع الحساس.
السياسة لا تخلو من الأرقام
من الجوانب الأقل نقاشًا وأكثر تأثيرًا: الأجور. يحصل أعضاء البرلمان الكندي على راتب سنوي يبلغ 209,800 دولار، فيما يتقاضى رئيس الوزراء ما يقارب ضعف ذلك. أما الوزراء ووزراء الدولة، فتُضاف إلى رواتبهم زيادات قدرها 99,900 دولار و74,700 دولار على التوالي.
البرلمان يعود بسرعة… والوعود لا تنتظر
سيُستأنف عمل البرلمان في 26 مايو، أي بعد أقل من شهر من الانتخابات — وهي واحدة من أسرع فترات العودة في التاريخ الكندي الحديث. ومعها، يحمل كارني حزمة وعود عاجلة أبرزها:
- إزالة الحواجز التجارية بين المقاطعات بحلول يوم كندا.
- تقديم بطاقة Canada Strong Pass للشباب دون 17 عامًا، تتيح لهم الدخول المجاني إلى المتاحف والتنقل مع الأهل على متن قطارات Via Rail.
- إتاحة دخول مجاني إلى المنتزهات الوطنية والمواقع التاريخية في الصيف، مع تخفيض كلفة التخييم.
ختاماً، لا يراهن مارك كارني فقط على التكنوقراط، بل على إعادة صياغة مفهوم السلطة التنفيذية في كندا. عبر هيكل حكومي أكثر مرونة وتركيزًا، يسعى إلى الجمع بين الفاعلية والمؤشرات الرمزية للإصلاح. لكنه في النهاية، سيُحاسب لا على الأفكار، بل على من يختارهم لتنفيذها… وعلى النتائج.
22.2°