في خطوة تُعدّ تحولاً لافتاً في نهج الحكم، اختار رئيس الوزراء مارك كارني أن يتخلى عن التقليد الذي رسّخه سلفه جوستان ترودو والمتمثل في إصدار رسائل تفويض مفصّلة لكل وزير، وأبدلها بوثيقة واحدة عامة وموجزة تُلخّص أولويات الحكومة بشكل فضفاض وتفتقر إلى التفاصيل الدقيقة.
شفافية أقل… وتحكّم أكبر
يقول كارني إن هذه الوثيقة تعبّر عن «رؤية موحّدة» لفريقه الوزاري في مواجهة الأزمات العالمية والتحديات الاقتصادية المحلية، لكن الحقيقة أن هذه الخطوة تعني أن الرأي العام لم يعد يملك أداة لمساءلة الوزراء عن أولوياتهم ولا عن السياسات المطلوب منهم تنفيذها.
ترودو كان قد تباهى في 2015 بنشر رسائل التفويض باعتبارها «خطوة غير مسبوقة نحو الشفافية»، بينما يبدو أن كارني يتجه بعكس هذا المسار تماماً، مفضلاً الغموض والمرونة على الوضوح والمساءلة.
الوثيقة الموحدة: عناوين عريضة بلا خطط تنفيذ
الوثيقة التي نشرتها رئاسة الوزراء بعد لقاء وزاري في بحيرة ميتش في كيبيك تضمنت سبع أولويات عامة:
- تعزيز العلاقة الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة
- توسيع الشراكات التجارية مع حلفاء موثوقين
- إزالة الحواجز أمام التجارة الداخلية بين المقاطعات
- تسريع تنفيذ مشاريع وطنية كبرى
- تخفيف أعباء المعيشة عن الكنديين
- تقوية القوات المسلحة وحماية السيادة وتأمين الحدود
- جذب الكفاءات المهاجرة مع تقليص عدد المهاجرين الإجمالي
- خفض نفقات التشغيل الحكومي
لكن هذه البنود تفتقر إلى أي تفاصيل قابلة للقياس أو التتبع. لا مهام محددة لكل وزير، ولا جداول زمنية، ولا معايير واضحة للنجاح. هي أقرب إلى خطاب نوايا منها إلى خطة حكومية فعليّة.
موازنة مؤجلة… وانتظار طويل
لا يقتصر التحفّظ على رسائل التفويض. فقد أجّل كارني أيضاً الإعلان عن الموازنة إلى الخريف، واكتفى بوعد بإصدار «بيان اقتصادي» بدلاً من ميزانية ربيعية. ورغم تراجعه لاحقاً عن ذلك جزئياً، إلا أن هذا التوجّه يعكس استراتيجيا شراء للوقت وإعادة ضبط للرؤية الاقتصادية، في ظل ضغوط التضخم والإنفاق العام.
ويبدو أن كارني يراهن على استخدام الذكاء الاصطناعي وتحقيق «الكفاءة» بدل الإنفاق، وهي لغة أقرب إلى عقلية الشركات الكبرى منها إلى العمل الحكومي الاجتماعي.
خلاصة الموقف
مارك كارني لا يدير حكومة تقليدية. إنه يعيد رسم حدود العلاقة بين السلطة والشفافية، بين التكنوقراطية والمسؤولية الديمقراطية.
هو يفرض مركزية مشددة، يضبط الرسائل، ويقلّص المساحات المتاحة للرقابة العامة.
هل سينجح هذا النهج في تقديم نتائج ملموسة؟ أم سيؤدي إلى مزيد من النفور الشعبي من السياسة النخبوية المغلقة؟
الوقت وحده كفيل بالإجابة. لكن من المؤكد أن كارني لا يسير على خطى ترودو… بل يفرض طريقه الخاص بصمت مدروس.
21.3°