مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت ملامح تحول صامت تتشكل في أوساط الكنديين المقيمين في الولايات المتحدة. فـ”الحلم الأميركي”، الذي جذب لعقود آلاف الكفاءات الكندية الطامحة، بات اليوم موضع مراجعة حقيقية، تفتح أمام كندا نافذة استراتيجية نادرة لاستقطاب طاقاتها المهاجرة.
حنين إلى الوطن في زمن الانقسام
من نيويورك، يروي بيلي بيرغ (اسم مستعار) تجربته الشخصية. شق طريقه المهنية هناك بعد دراسة مرموقة في جامعة كولومبيا، ونجح في بناء حياة زاخرة بالإنجازات. لكن خلف هذا الازدهار، تتصاعد لديه مشاعر اغتراب سياسي ووجداني. “كندا تعود إلى قلبي أكثر فأكثر”، يقول بيرغ، مضيفاً أن الخطاب العنصري، ومعاداة الحقوق والحريات، إضافة إلى سياسات ترامب التي يعتبرها مناهضة للعلم والتعددية، كلها عوامل باتت تثقل كاهله.
بيرغ ليس استثناء. فقد أصبحت فكرة “العودة” حاضرة بوضوح في أحاديث الكنديين المنتشرين في مدن أميركية كبرى، من لوس أنجلوس إلى بوسطن. وهناك من يفكر أيضاً في الهجرة نحو أوروبا، بحثاً عن بيئة أكثر توافقاً مع قيم الانفتاح والديمقراطية.
كفاءات عابرة للحدود… فهل تستعيدها كندا؟
وفق إحصاءات غير رسمية، يعيش نحو 800 ألف كندي في الولايات المتحدة، يشغل عدد كبير منهم مواقع رفيعة في قطاعات حيوية كالتكنولوجيا والتمويل والذكاء الاصطناعي والطب. وإذا ما نجحت كندا في إعادة جذب هؤلاء، فإنها لا تسترد فقط أبناءها، بل تستورد معها رؤوس أموال، خبرات دولية، وشبكات علاقات واسعة بإمكانها أن تعزز موقع الاقتصاد الكندي عالمياً.
غير أن التحدي لا يكمن فقط في جذب الكفاءات، بل في خلق بيئة تستوعبهم: من حيث الفرص، والضرائب، والبيروقراطية، وسوق العمل الذي يبقى أصغر حجماً مقارنة بنظيره الأميركي.
الإغراء الأميركي لا يزال قائماً
رغم ذلك، تبقى الولايات المتحدة، في نظر كثيرين، أرض الفرص الأكبر. يقول جون هوكين، مستثمر كندي يعيش في سان فرانسيسكو: “أحب كندا، لكن لا أرى نفسي عائداً في الوقت الحالي. السوق الأميركية أكثر حيوية واتساعاً”. هذا التباين يعكس معضلة كندا: كيف تنافس جاذبية أميركا الاقتصادية في ظل تقلباتها السياسية؟
الفرصة لا تنتظر
الواقع السياسي في واشنطن يضع كندا أمام مفترق طرق. فالنفور المتزايد من سياسات ترامب يمثل تحدياً لأميركا، لكنه يمكن أن يكون مكسباً استراتيجياً لجارتها الشمالية. ويبقى الرهان على قدرة كندا على ترجمة هذه اللحظة إلى مشروع وطني يعيد وصل ما انقطع مع أبنائها في الخارج، ويقدّم لهم ما هو أكثر من حنين… مستقبل.
22.2°