على بعد ساعات من موعد الإضراب المحتمل، لا تزال مؤسسة البريد الكندية (بوست كندا) والنقابة التي تمثل موظفيها غير قادرين على التوصل إلى اتفاق.
اجتمع الطرفان مساء أمس الخميس، واستمر الاجتماع أقل من ساعة بحسب ما قالت شركة بريد كندا. أوضحت المؤسسة بعدها أن نقابة عمال البريد طرحت «عددًا قليلاً من القضايا العالقة بشكل غير رسمي»، لكنها أكدت أن ذلك لم يكن كافيًا لتحقيق تقدم ملموس.
وقالت بوست كندا إنها طلبت من النقابة «العودة بشكل عاجل مع رد على العروض الشاملة التي قدمناها في 21 مايو/أيار».
في المقابل، أعلنت النقابة في بيان يوم الأربعاء أنها ما تزال تدرس المقترحات المقدمة من الشركة، لكنها أعربت عن خيبة أملها من عدة بنود، خاصة المتعلقة بالرواتب والتعديلات على تكاليف المعيشة.
تقدّم عروض بوست كندا زيادة في الرواتب تبلغ حوالي 13% على مدى أربع سنوات، بينما تطالب النقابة بزيادة تقارب 19% لتعويض الفجوة التي تراكمت بسبب التضخم المتسارع.
كذلك أعربت النقابة عن قلقها إزاء اقتراح الشركة زيادة عدد الموظفين بدوام جزئي واعتماد نظام «التوجيه الديناميكي» الذي يتيح تعديل مسارات التوصيل يوميًا وفقًا للظروف المتغيرة، دون وجود قواعد واضحة تحكم هذا النظام.
ونددت النقابة أيضًا بأن الأيام الستة الإضافية المقترحة كأيام شخصية ما هي إلا «مجرد وهم»، لأنها موجودة بالفعل ضمن قانون العمل الكندي.
كذلك اعترضت النقابة على اقتراح إزالة «فترة الاستراحة لمدة خمس دقائق» التي يحصل عليها العمال.
إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية يوم الخميس، فإن أعضاء النقابة سيبدأون الإضراب بعد منتصف الليل.
رفضت بوست كندا طلب النقابة لوقف الإضراب لمدة أسبوعين لمنحها وقتًا لمراجعة العروض الجديدة. وإذا حدث الإضراب، سيكون الثاني خلال أقل من ستة أشهر. وتشرف وزيرة العمل باتي هايدو على الملف مع سكرتير الدولة للعمل جون زيروسيللي، وفقًا لما قاله المتحدث باسم الوزيرة.
وقد التقت الوزيرة بآخر مرة مع الطرفين في 16 مايو/أيار الماضي لمناقشة تقرير وصفي للأزمة التي تواجهها شركة البريد، أعده المحكم ويليام كابلان بناءً على طلب الحكومة الفدرالية، تضمن توصيات للحل.
ويُجري الوسطاء الفدراليون اتصالات يومية مع الطرفين في محاولة للوصول إلى تسوية.
وسط تصاعد الحديث عن إضراب محتمل في كندا بوست، تجد المؤسسة البريدية الوطنية نفسها أمام واقع أكثر إرباكًا من مجرد نزاع عمالي. فحتى لو لم يُنفّذ الإضراب، فإن مستقبل كندا بوست بات موضع شكّ حقيقي، في ظل ما يصفه الخبراء بـ”أزمة وجودية تهدّد بقاءها”، ووسط تساؤلات جديّة: هل يجب على الدولة الاستمرار في إنقاذ مؤسسة لم تعد قادرة على تلبية متطلبات العصر، أم أن الوقت قد حان لتحرير سوق البريد بالكامل؟
خدمات متراجعة في زمن رقمي
منذ أكثر من عقدين، تعيش كندا بوست تراجعًا مستمرًا بفعل التحوّل الرقمي. رسائل البريد التقليدية تتقلّص لصالح البريد الإلكتروني، والإعلانات الورقية خسرَت معركتها أمام التسويق الرقمي، بينما باتت سوق الطرود مقسّمة بين عشرات الشركات الخاصة.
تشير الأرقام إلى أن حجم الرسائل التي توزعها كندا بوست اليوم انخفض إلى أقل من ثلث ما كانت توصله قبل 20 عامًا – نحو ملياري رسالة سنويًا فقط. أما حصتها من سوق الطرود، التي شهدت ارتفاعًا مؤقتًا خلال الجائحة، فقد تراجعت من 62% في عام 2019 إلى أقل من 50% اليوم.
دعم حكومي… لإنقاذ الرواتب
آخر فصول أزمة كندا بوست جاءت مع لجنة مستقلة شكّلتها الحكومة الفيدرالية، خلصت إلى نتيجة صادمة: “المؤسسة مفلسة فعليًا”. وبحسب التقرير، لولا تدخل حكومي بمليار دولار في يناير/كانون الثاني الماضي، لما تمكنت كندا بوست من دفع رواتب موظفيها.
خدمات بلا جدوى اقتصادية
رغم كل هذه المؤشرات، ما زالت الجهات المعنية – من نقابة الموظفين إلى إدارة كندا بوست والحكومة – تتحدث عن أهمية “الإبقاء على المؤسسة”. النقابة تدعو إلى توسيع الخدمات لتشمل إصدار جوازات السفر وتوصيل البقالة، بينما تلمّح الإدارة إلى احتمال تقليص الخدمة أكثر وزيادة الأسعار.
لكن هذا الطرح، بحسب محللين، يتجاهل حقيقة أساسية: الهدف من خدمة البريد ليس الحفاظ على مؤسسة تقليدية، بل تقديم خدمة سريعة وفعالة بأقل تكلفة ممكنة. وإذا كانت كندا بوست غير قادرة على تأمين ذلك إلا بخسائر بالمليارات، فالمشكلة ليست في التمويل، بل في النموذج نفسه.
هل الاحتكار لا يزال مبرَّرًا؟
كندا بوست تتمتع باحتكار قانوني لنقل الرسائل داخل البلاد بأسعار منخفضة. هذا الاحتكار، المبرر بمبدأ “الخدمة الشاملة” لجميع الكنديين، لم يعد واقعيًا. فأكثر من ثلثي السكان لا يحصلون على توصيل منزلي مباشر، في وقت تتزايد فيه العناوين ويقل فيه الطلب.
وهنا يُطرح السؤال: لماذا لا يتم تحرير هذا القطاع وفتح الباب أمام المنافسة؟ ولماذا يدفع سكان المدن أسعارًا أعلى لتوفير خدمة أرخص في المناطق الريفية؟ وإذا كانت بعض المناطق غير مربحة، يمكن للحكومة دعمها مباشرة، بدلًا من فرض احتكار عام يُثقل كاهل الجميع.
بين التفكّك أو التحديث
إنقاذ كندا بوست لا يعني بالضرورة الإبقاء عليها بشكلها الحالي. بل قد يتطلب إعادة تعريف جذري لدورها، أو حتى خصخصة بعض خدماتها. فتح السوق أمام شركات خاصة قد يؤدي إلى تحسين الجودة، خفض التكاليف،
وربما، فقط ربما، إذا واجهت كندا بوست بعض المنافسة الحقيقية، قد نرى خدمة أسرع، أرخص، وأفضل. وربما حينها يعود بعض الكنديين لاستخدام البريد من جديد.
23.3°