كادت كندا تواجه أزمة كبيرة في قطاع النقل الحديدي تهدد باضطراب الاقتصاد الوطني. لولا لم تتخذ الحكومة الفدرالية يوم أمس الخميس، قرارًا حاسمًا بإلزام استئناف العمل وفرض التحكيم الإجباري، ما حال دون وقوع سيناريو كارثي.
وإذ يبدو أن أزمة إغلاق سكك الحديد التي انطلقت يوم أمس انتهت، فهذا لا يعني أن النزاع العمالي انتهى. ما يعني أن ليست كل القطارات ستعود حتماً وبسرعة للعمل على هذه السكك. ففي الواقع، بعد إعلان وزير العمل الفدرالي، ستيفن ماكينون، بعد ظهر أمس الخميس، أنه سيطلب التحكيم الإجباري لحل النزاع المتعلق بالإغلاق المؤقت لسكك الحديد، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على دخوله حيز التنفيذ، عبر إحالة النزاع بين نقابة “تيمسترز” وشركتي سكك الحديد “سي إن” و”سي بي كي سي” إلى مجلس العلاقات الصناعية الكندي، أعلنت من جهتها، الشركة الوطنية لسكك الحديد (CN) عن انتهاء الإغلاق المؤقت اعتبارًا من الساعة السادسة من مساء أمس، وأنها ستبدأ فورًا بتنفيذ خطة استئناف العمل. القرار نفسه اتخذته شركة سكك الحديد الكندية الباسيفيكية كانساس سيتي (CPKC)، التي صرحت بأن “فرق العمل تستعد بالفعل “لاستئناف آمن ومنظم للعمل على الشبكة”.
ولكن، في هذه الشركة، يبدو أن النقابات تستطيع أن تطعن بالأمر الصادر عن الوزير ماكينون على أساس أنه قد يمنعهم من ممارسة حقهم بالإضراب. وهم كانوا أرسلوا إشعارأً بالإضراب. هذا الحق صانه لهم قرار حكومي صدر في سنة 2015 ويفيد بأنه لا يمكن إلزام العمال بفكّ إضرابهم إلا إذا كان هناك داعي يتعلّق بسلامة المواطنين الكنديين.
ومع ذلك، فإن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي ستستغرق وقتًا على مستوى البلاد. ففي النزاعات السابقة، كان الأمر يستغرق من ثلاثة إلى خمسة أيام لكل يوم من التوقف للعودة إلى الوضع الطبيعي. وبلغت حالة عدم اليقين ذروتها أمس، سواء بين الركاب أو في الصناعات الزراعية والتعدينية وفي حركة المرافئ، التي تأثرت بشكل كبير بسبب الشلل في خطوط سكك الحديد.
تهديد لمتاجر البقالة وأسعار المواد الغذائية
كانت مخاوف النقص التي شهدناها خلال جائحة كورونا تحوم مرة أخرى فوق المستهلكين. كانت الزيادات في الأسعار ونقص بعض المنتجات قد تصبح واقعًا ملموسًا، وفقًا لما ذكره باسكال ليدوك، رئيس شركة “ليدوك للاستراتيجية والاستشارات في الإدارة التجارية”. وقال: “النقل الحديدي يشكل عنصرًا أساسيًا في سلاسل التوريد الكندية. يتم من خلاله نقل المواد الأساسية والمدخلات الصناعية والمنتجات النهائية”، مشيرًا إلى أن النقل عبر الشاحنات لم يكن ليتمكن من تعويض النقل الحديدي على المديين القصير أو المتوسط.
التأخير في توصيل الأجهزة المنزلية
حذر ديفيد لاريفيير، نائب الرئيس التنفيذي لمتاجر جيرمان لاريفيير، من أن إمدادات الأجهزة المنزلية، خاصة القادمة من آسيا، كانت ستتعرض لمشاكل كبيرة. حيث كانت المنتجات التي يتم نقلها عبر القطارات من فانكوفر ستتعرض لتأخيرات، مما يمثل مشكلة كبيرة للعملاء الذين يحتاجون لاستبدال أجهزتهم التي تضررت بفعل الفيضانات الأخيرة. وأضاف لاريفيير: “تصنيع الأثاث كان سيتأثر على المدى الطويل”.
الضغط على النقل البري
أعرب جان دينيس توبين، المدير العام لمجموعة بروكو المتخصصة في الإنشاءات المعدنية، عن ارتياحه لاستئناف العمل في قطاع النقل الحديدي. وقال: “النقل عبر الشاحنات يعمل، ولكنه أبطأ وأكثر تكلفة”. كان من المتوقع أن يؤدي ارتفاع الطلب إلى الوصول سريعًا إلى حدود القدرة المتاحة، كما أكد دانيال بينو، رئيس مجموعة لافرانس المتخصصة في النقل في مونتريال.
الموانئ الكندية تحت الضغط
كانت الموانئ، وخاصة ميناء مونتريال، ستتعرض أيضًا لضغوط شديدة. فحوالي 45% من البضائع التي تمر عبر هذا الميناء مخصصة للنقل الحديدي. وأوضح مايكل فراتاني، رئيس شركة موانئ مونتريال جيتواي، أنه تم اتخاذ تدابير لتفريغ بعض المساحات، لكن توقف العمل لفترة طويلة كان سيؤدي بلا شك إلى ازدحام في الميناء.
تعطيل حياة عشرات الآلاف من الركاب في ثلاث مدن كندية كبرى
تأثر عشرات الآلاف من الركاب في كبرى المدن الكندية بسبب الإغلاق الأخير الذي أصاب خطوط سكك الحديد المخصصة للبضائع، ما أدى إلى توقف خمسة خطوط نقل ركاب في فانكوفر وتورنتو ومونتريال.
وفقاً للوكالات المشغلة، فإن هذه الخطوط تنقل يومياً حوالي 32,000 شخص. ولتخفيف الأزمة، تم توفير حافلات إضافية لبعض الركاب، بينما شُجِّع الآخرون على استخدام طرق بديلة.
توقف خط “West Coast Express” في فانكوفر، وخط “Milton GO” في تورنتو ومحطة GO في هاميلتون، بالإضافة إلى ثلاثة خطوط “Exo” في مونتريال.
على الرغم من تدخل الحكومة الفدرالية بعد ظهر الخميس وإصدار أمر بالتحكيم لحل النزاع، فإن وزير العمل ستيفن ماكينون أشار إلى أن استعادة الخدمة بشكل كامل قد يستغرق عدة أيام.
من جانبهم، أصدر ممثلو مجموعات النقل العام في المدن الثلاث بياناً مشتركاً يدين الاضطرابات، مؤكدين على ضرورة إعطاء الأولوية لحركة الركاب على خطوط السكك الحديدية في كندا وكيبيك. وأضاف البيان: “مرة أخرى، يتحمل مستخدمو النقل العام عواقب أوضاع خارجة عن إرادتهم، رغم أهمية النقل العام.”
في مونتريال، التي شهدت أكبر تأثير، حيث يستخدم خطوط “Exo” الثلاثة حوالي 21,000 شخص يومياً، أشار المتحدث باسم وكالة النقل “إكسو” إريك إدستروم إلى أنه في حال استمرار الاضطرابات، سيتم تشغيل خدمة حافلات بديلة، لكنه حذر من أن هذا الحل لن يكون كافياً لاستيعاب سعة الركاب الكاملة.
أما في فانكوفر، فقد استطاعت الوكالة المسؤولة عن النقل إدارة الأزمة بشكل جيد، حيث وفرت حافلات إضافية في صباح الخميس لنقل حوالي 3,000 راكب يستخدمون خط “West Coast Express” يومياً.
وفي تورنتو، وجه موظفو GO Transit الركاب الذين يستخدمون خط “Milton” ومحطة هاميلتون إلى خيارات نقل بديلة. ورغم الانتقادات من بعض الركاب بسبب قلة التواصل المسبق، فإن عمليات النقل البديلة سارت بسلاسة دون تسجيل أي ازدحام يُذكر.
أزمة مياه شرب؟
أثار إغلاق سكك الحديد في كندا مخاوف بشأن نقص محتمل في السلع الأساسية، بما في ذلك الكلور اللازم لسلامة مياه الشرب.
في هذا السياق، اعترف وزير الصحة مارك هولاند بأنه على الرغم من أنه لا يزال من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان النقص المحتمل في الكلور سيؤثر على إمدادات مياه الشرب في كندا، فإن الحكومة ستواصل مراقبة الوضع عن كثب.
وفي أعقاب إعلان الإغلاق، حثت “رابطة صناعة الكيمياء في كندا” الحكومة الفدرالية على التدخل على الفور، محذرة من أن توقف العمل قد يكون له عواقب وخيمة على السلامة العامة.
وقالت الرابطة في بيان: “سيؤدي توقف العمل قريبًا إلى تأثيرات كبيرة على السلامة العامة، حيث يعتمد 96٪ من الكنديين على مياه الشرب الآمنة التي تحتاج إلى الكلور ومشتقات الكلور”. أضافت أنه “مع تناقص إمدادات هذه المواد الكيميائية في الأيام المقبلة، ستضطر البلديات في جميع أنحاء البلاد إلى إصدار تحذيرات بغلي الماء”.
كما أشارت إلى أن هذا المنتج لا يمكن نقله بالشاحنة أو السفينة، وأن الأحكام الأمنية تحد من الكمية التي يمكن تخزينها.
تأثيرات في الولايات المتحدة
لم تكن تأثيرات هذه الأزمة مقتصرة على كندا فقط. حيث توجه جيم فينا، المدير التنفيذي لشركة يونيون باسيفيك، وهي أكبر شركة لسكك الحديد في الولايات المتحدة، شخصيًا إلى وزير العمل الفدرالي ستيفن ماكينون لتجنب توقف العمل الذي قد تكون له آثار دولية. وذكر فينا في رسالة حصلت عليها صحيفة “لا برس”: “حوالي ثلث حجم البضائع التي تنقلها سكك الحديد الكندية تعبر الحدود، مما يؤثر بشكل مباشر على يونيون باسيفيك وعملائها”.
بفضل التدخل السريع، تمكنت كندا من تجنب أزمة كبيرة في قطاع النقل الحديدي، كانت ستهدد العديد من القطاعات الاقتصادية. يمكن لسلاسل التوريد التي كانت تحت ضغط كبير أن تأخذ نفسًا عميقًا الآن، رغم أن اليقظة تبقى ضرورة ملحة.
ما بين الحقوق الدستورية وحماية الاقتصاد: هل الحكومة الكندية تسرّعت في التدخل؟
كل ساعة من الإغلاق الشامل للعمال في سكك الحديد ألحقت بالفعل ضررًا أكبر بالاقتصاد الكندي الهش. ومع كل ساعة مضت، زادت الحاجة إلى تدخل الحكومة الفدرالية.
لذلك، تدخل وزير العمل ستيفن ماكينون بعد ظهر يوم أمس الخميس وأحال النزاع بين نقابة “تيمسترز” وشركتي سكك الحديد “سي إن” و”سي بي كي سي” إلى مجلس العلاقات الصناعية الكندي، مع توجيه لإجراء تحكيم إلزامي.
يثير هذا التدخل تساؤلات قانونية وسياسية حول ما إذا كانت الحكومة تدخلت بسرعة كبيرة. لكن معظم الكنديين سيكونون ممتنين لإنهاء هذا الإغلاق، بما في ذلك زعيم حزب المحافظين بيار بوالييفر.
حتى وإن عاد عمال سكك الحديد إلى وظائفهم خلال أيام قليلة، فقد كان لهذا الإغلاق تأثير ضار للغاية، بحيث تأثر أكثر من تسعة ألاف عامل، وتوقفت التجارة عبر الحدود مع الولايات المتحدة، وتم تعليق شحنات تتجاوز قيمتها مليار دولار يوميًا. وتعرضت سمعة كندا كمكان جاذب للأعمال لضربة كبيرة أخرى.
يعد قرار الوزير ماكينون انتصارًا لشركات سكك الحديد التي كانت تسعى للتحكيم الإلزامي ويبدو الآن أنها حصلت عليه. في المقابل، من المحتمل أن ترفع نقابة “تيمسترز” دعوى قضائية ضد الحكومة بسبب هذا القرار. يملك الوزير ماكينون السلطة بموجب المادة 107 من قانون العمل الكندي لإحالة النزاع إلى المجلس. ولكن المحكمة العليا حكمت في عام 2015 بأن حق الإضراب محمي دستورياً، ضمن حدود معينة.
لذا يجب على الحكومة أن تؤمن بأن المجلس والمحاكم سيتفقان على أن الضرر الاقتصادي للإضراب قد تجاوز الحقوق الدستورية للعمال في التفاوض الجماعي، على الرغم من أن العمال كانوا قد توقفوا عن العمل لأقل من 24 ساعة.
يبدو أن كندا تتبنى نمطاً خطيراً من تحمل إضرابات كبيرة تشل أحد القطاعات المهمة للبنية التحتية الوطنية أو غيرها، يتبعها تدخل من الحكومة الفدرالية.
شيموس أوريغان، سلف ماكينون كوزير للعمل، استند إلى المادة 107 للمساعدة في إنهاء النزاعات التي شملت عمال ميناء فانكوفر العام الماضي وفنيين في شركة الطيران “ويست جت” هذا العام.
بالنسبة إلى أي شخص يؤمن بحقوق العمال النقابيين في التفاوض الجماعي، فهذه سوابق غير مرحب بها.
كما أنها تمثل نقطة سوداء سياسية للحزب الليبرالي، الذي يدافع عن التفاوض الجماعي لكنه يقصر العملية مراراً وتكراراً. ويساهم ذلك في الانطباع بأنهم لا يعرفون كيفية إدارة البلاد.
من الممكن الاعتقاد بأن بوالييفر سيقول ذلك بأعلى صوته. لكن زعيم المحافظين كان صامتاً بشكل واضح في الأيام الأخيرة. هناك سبب لذلك.
تقليدياً، المحافظون لديهم صبر محدود على الإضرابات التي تضع الاقتصاد الأكبر في خطر. حكومة ستيفن هاربر أنهت نزاعاً واحداً في سكك الحديد بتشريع العودة إلى العمل وهددت بفعل الشيء نفسه مع نزاع آخر.
لكن بوالييفر كان يسعى لكسب ود العمال النقابيين. “لا ألوم العمال الذين يصوتون للإضراب في الوقت الحالي”، قال العام الماضي. والمحافظون يقفون بنسبة 100 في المائة إلى جانب العمال، سواء كانوا نقابيين أم غير نقابيين، الذين يكافحون من أجل زيادة الأجور”. حتى أنه صوّت لصالح تشريع حكومي يحظر استخدام العمال البدلاء أثناء الإضرابات.
إذا اضطرت الحكومة إلى عقد جلسة طارئة للبرلمان وإصدار تشريع للعودة إلى العمل لإنهاء هذا الإضراب في سكك الحديد، سيواجه بوالييفر قراراً صعباً. بالتأكيد لا يمكنه دعم عمل يتسبب في ضرر كبير للاقتصاد الكندي. ولكن، من الناحية السياسية، لا يمكنه أيضاً انتقاد العمال لمحاولتهم الحصول على أفضل عقد ممكن.
في الوقت الحالي، هو يحافظ على هدوئه، على أمل أن تمر هذه المشكلة بسرعة.
من ناحية أخرى، سيكون زعيم الحزب الديمقراطي الجديد جاغميت سينغ سعيداً بالنتيجة، على الأقل سياسياً. فقد عارض بشدة أي جهود لإجبار العمال على التحكيم الإلزامي والعودة إلى العمل. الآن سيكون قادراً على انتقاد الحكومة الليبرالية من دون تعريض اتفاقية الدعم والثقة بين الحزبين للخطر.
معدلات الفائدة المرتفعة والتضخم المرتفع يغذيان الاضطرابات العمالية. والنقص في اليد العاملة عبر جميع قطاعات الاقتصاد يضيف المزيد من الوقود على الأزمة المشتعلة أصلاً. يجب أن نتوقع المزيد من الاضطرابات في الأسابيع والأشهر المقبلة.
على الجميع في دائرة الوزير ماكينون أن يحصلوا على بعض الراحة لأن طياري شركة الخطوط الجوية الكندية قد يتوقفون عن العمل في أقل من شهر.
21.4°