في تشكيلته الحكومية الأولى، يوازن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بين الحرس القديم والتجديد الواعد، فحافظ على بعض ركائز عهد جوستان ترودو، مثل فرانسوا-فيليب شامبانيه وميلاني جولي، لكنه ضخّ دماءً جديدة تحمل في طيّاتها رسائل سياسية واضحة.
وكما ذكر المحلل السياسي بول جورنيه في صحيفة لا بريس، كان مارك كارني بحاجة إلى مزيج من الاستقرار والتجديد لطيّ صفحة عهد ترودو. فجاءت حكومته خليطًا من الوجوه الجديدة التي تشكّل الأغلبية، إلى جانب بقاء الأعمدة الأساسية في الصفوف الأمامية.
الاستمرارية في ملفات حساسة
أبرز العائدين من عهد ترودو:
- فرانسوا-فيليب شامبانيه احتفظ بوزارة المالية، وتسلّم أيضًا مسؤولية الوكالة الكندية للإيرادات. وهو سيعمل تحت إشراف رئيس حكومة سبق له أن شغل منصب نائب وزير مساعد في هذا الوزارة. لكن هامش تحركه سيكون محدودًا.
- ميلاني جولي، التي كانت على رأس الخارجية، أصبحت وزيرة للصناعة، وأُوكل إليها ملف التنمية الاقتصادية في مناطق كيبيك. يُعدّ تعيينها خبراً ساراً من منظور كيبيكي. ورغم أن حقيبة الشؤون الخارجية كانت مرموقة، إلا أن مواهبها ستكون أكثر فاعلية في الصناعة، خاصة في ملفات حساسة مثل الطيران والألمنيوم، في ظل تهديدات البيت الأبيض. بقاؤها على الأرض في كندا سيفيد الحكومة أكثر من جولاتها الخارجية. أما في الخارجية، فالتغييرات المتكررة ليست مرغوبة، إلا أن أنيتا أناند – خليفة جولي – تتمتع بمعرفة مسبقة بملف الدفاع، ما يُعدّ ميزة في فترة عدم استقرار دولي.
- ستيفن غيلبو بقي في موقعه كوزير للهوية والثقافة، مع الإشراف على اللغتين الرسميتين، وهو أيضًا لا يزال المنسق السياسي للحكومة الفدرالية في كيبيك.
عودة إلى الواجهة وملفات شائكة
ستيفن ماكينون يعود كزعيم للحكومة في البرلمان، وهو منصب محوري في حكومة أقلية. خبرته السابقة ستكون سلاحًا فعالًا في التفاوض مع المعارضة.
دومينيك لوبلان، أحد الحلفاء القدامى، يظل في قلب التوتر التجاري مع واشنطن، ويضيف إليه ملف العلاقات بين الحكومة الفدرالية والمقاطعات، في وقت تهدد فيه ألبرتا باستفتاء انفصالي، ويتوعد فيه حزب كيبيك بخطوة مماثلة.
ستيفن غيلبو يعود إلى حقيبة الثقافة ويبقى نائبًا سياسيًا لكيبيك. ورغم بروده التفاوضي، يملك صفات الوزير المجتهد.
تقدّم وجوه جديدة ورسائل تجديد
من أبرز الداخلين إلى الفريق الوزاري:
- جويل لايتباوند، المعروف بمواقفه النقدية داخل الحزب الليبرالي، أصبح وزيرًا لتحوّل الحكومة والأشغال العامة والتوريد. إنشاء هذه الوزارة بحد ذاته يُعد رسالة واضحة عن نية كارني في كسر بعض الأنماط القديمة.
- مارجوري ميشيل، النائبة الجديدة التي خلفت ترودو في دائرة بابينو، أصبحت وزيرة للصحة، في مؤشر على الرغبة بإعادة تشكيل المشهد الليبرالي في مونتريال. لطالما كانت وزارة الصحة قناة للتدخل الفدرالي في صلاحيات المقاطعات. مبادراتها قد تُقابل بتحفظات.
- ناتالي بروفو، الناجية من مجزرة البوليتكنيك، أُسندت إليها مهام أمينة دولة لشؤون الطبيعة، في خطوة تحمل بعدًا رمزيًا وإنسانيًا واضحًا.
- للمرة الأولى، أُنشئت وزارة للذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي، أسندت إلى الصحافي السابق إيفان سولومان، ما يُبرز أولوية كارني للثورة الرقمية المقبلة.
- وفي ملف الموارد الطبيعية، تتابع ألبرتا بقلق تعيين تيم هودجسون، الذي عمل سابقًا مع كارني في مصرف كندا المركزي ورأس مجلس إدارة Hydro One. كخبير مالي سابق في “غولدمان ساكس”، قد يكون الأنسب لتفنيد ادعاءات ألبرتا بأن القيود البيئية تقتل صناعة النفط. لكن العلاقة بينه وبين وزيرة البيئة، جولي دابروزان، تبقى محل تساؤل. فهذه المحامية كانت نائبة برلمانية سابقة للملف، لكنها تفتقر إلى وزن سياسي حاسم. والسؤال: هل سيصغي لها كل من كارني وهودجسون؟
- لينا متلج دياب، الفرنكفونية من أصول لبنانية ووزيرة الهجرة السابقة في نوفا سكوشا، تتسلّم حقيبة الهجرة الفدرالية في توقيت بالغ الحساسية.
- غريغور روبرتسون، الرئيس السابق لبلدية فانكوفر، تُسند إليه وزارتي السكن والبنى التحتية. سيؤسس هيئة جديدة لبناء المساكن، لكن تجربته السابقة في هذا المجال كانت محدودة النجاح.
مفاجآت وأسماء مثيرة للجدل
أكثر التعيينات إثارةً للدهشة كانت تعيين شفقات علي على رأس مجلس الخزانة. رجل الأعمال السابق عُرف بحادثة مشاركته في اجتماع برلماني عبر الزوم من مرحاضه! الآن، يُنتظر منه فرض انضباط مالي صارم.
من بين الأسماء المثيرة أيضًا: إيفان سولومون، الصحافي السابق الذي طُرد بسبب تورطه في وساطة سرية لبيع لوحات فنية. رغم ماضيه، كُلّف بإدارة التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي.
غائبون بارزون
كارلوس ليتاو، وزير مالية كيبيك السابق، لم يُدعَ للحكومة. وهو مصير مشابه لما حدث لتشارلز سوزا، الذي شغل المنصب نفسه في أونتاريو. ويبدو أن ماضي ليتاو كخصم لحكومة حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك كان عائقًا.
أما كيبيك… فتمثيلها يتراجع
تشكل مقاطعة كيبيك ربع أعضاء حكومة رئيس الوزراء مارك كارني الجديدة بحيث تضم الحكومة الجديدة تسعة نواب من كيبيك، منهم سبعة وزراء واثنين من وزراء الدولة. وكانت حصة كيبيك تشكّل نحو ثلث التشكيلات في عهد ترودو. وهو ما قد يثير علامات استفهام في المقاطعة الفرنكفونية، خصوصًا مع غياب أسماء كانت مرشحة بقوة، كـ كارلوس ليتاو، الذي لم يُدرج في التشكيلة رغم موقعه الوازن في الحملة الانتخابية.
ربع حكومة كارني الجديدة من كيبيك: من هم الوزراء؟
أهم الوجوه الجديدة في حكومة كارني من كيبيك تشمل النائبة عن منطقة نونافيك، ماندي غول-ماستي، التي تم تعيينها وزيرة لشؤون الشعوب الأصلية، والمحامي جول لايتباوند من لويس-إيبرت، الذي عين وزيرًا للتحول الحكومي والأشغال العامة والمشتريات.
ماندي غال-ماستي، التي كانت الزعيمة الكبرىا لسابقة لمجلس كري الكبير، تمثل واحدة من أكبر الدوائر الانتخابية في كندا، التي تغطي أكثر من 850 ألف كيلومتر مربع. وهي أول شخص من السكان الأصليين يتولى وزارة شؤون السكان الأصليين. وقالت إن أولويتها هي توحيد المجتمعات الأصلية وغير الأصلية في دائرتها الانتخابية. هي نائبة تمثل منطقة ذات خصوصيات كبرى. سيكون عليها تلبية تطلعات عمرها أجيال.
من جهة أخرى، تم تعيين مارغوري ميشيل، النائبة عن منطقة بابينو، وزيرة للصحة. وكانت ميشيل أول امرأة من أصول إفريقية تُعين رئيسة لموظفي رئيس الوزراء السابق جوستان ترودو.
في ما يتعلق بالوزراء الذين احتفظوا بمناصبهم، ستستمر كل من ميلاني جولي، فرانسوا-فيليب شامبانيه، ستيفان غيلبو، وستيفان ماكنون في مهامهم الوزارية. وفي منصب وزير المالية، سيشارك شامبانيه في المفاوضات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقد تم استبعاد راشيل بندايان، النائبة عن مونتريال، والنائب جان إيف دوكلو من كيبيك من التشكيلة الوزارية.
وجوه كيبيكية جديدة في وزراء الدولة
في الحكومة الجديدة، أُقسمت أيضًا عشرة وزراء دولة سيعملون كوزراء مساعدين وسيساعدون الفريق المركزي في البرلمان، وذلك من خلال العمل على الملفات التي تم إخراجها من الحكومة، مثل قضايا العمل وكبار السن.
أحد الوجوه الجديدة، ناتالي بروفو، الناجية من مذبحة بوليتكنيك، التي أصبحت وزيرة دولة للشؤون الطبيعية. بروفو كانت ناشطة بارزة في مجال مكافحة العنف ضد النساء والأطفال، ومن المعروف عنها دفاعها عن قوانين تقييد الأسلحة النارية.
كذلك تم تعيين النائبة عن منطقة نوتردام-دو-غراس-ويستماونت، آنا غايني، وزيرة دولة لشؤون الأطفال والشباب. وقد خلفت غايني، التي هي ابنة لاعب هوكي سابق ومدير عام فريق مونتريال كانيديين، مارك غارنو بعد فوزه في انتخابات فرعية في عام 2023.
رواتب كبار المسؤولين: أرقام لافتة
وفق البيانات الرسمية:
- رئيس الوزراء يتقاضى راتبًا سنويًا قدره 419,600 دولار.
- الوزراء يحصلون على 309,700 دولار، بفضل علاوة وزارية تقارب 97 ألف دولار.
- وزراء الدولة يتقاضون نحو 284,500 دولار سنويًا.
إدارة متعددة المستويات
كارني وعد بالفعالية، لكنه شكّل حكومة تتألف من 28 وزيرًا، وأرفقها بـ10 وزراء دولة لتغطية التمثيل الجغرافي وتفادي الخيبات. وهو تنظيم غير مألوف في بداية عهد حكومي، بل عادة ما يظهر في منتصف الولاية.
ويُتوقّع أن تعمل الحكومة بثلاث صيغ:
- الكبيرة: حين يُدعى وزراء الدولة إلى الاجتماعات.
- العادية: تضمّ 29 وزيرًا أساسيًا.
- المصغّرة: تشمل لجنة أولويات ضيّقة تضم الأقطاب الفاعلة فقط.
في بعض الحالات، تبدو مناصب وزراء الدولة معقولة، مثل ستيفن فور، الطيار السابق الذي سيساعد وزير الدفاع على تأسيس وكالة مشتريات جديدة. لكن مناصب أخرى تثير التساؤلات، كأمانة الدولة للطبيعة (ناتالي بروفو) أو لمكافحة الجريمة (روبي ساهوتا). فهل نحتاجها حقًا في ظل وجود وزارات قائمة؟
كل ذلك يبدو إداريًا في الظاهر، لكنه يخبّئ تبعات حقيقية. في عهد ترودو، كانت النفقات ترتفع بنسبة 9% سنويًا، وهو معدل غير مستدام. كارني وعد بخفضها إلى 2% فقط. لكن مع هذا العدد الكبير من الطامحين لتحقيق بصماتهم الشخصية، يبدو هذا الهدف أكثر صعوبة.
21.1°