رغم انقضاء يوم كامل على انتهاء الانتخابات الفدرالية، لا تزال كندا تنتظر الصورة النهائية لخريطة مجلس العموم، حيث لم تُحسم نتائج بعض الدوائر المتقاربة، وسط احتمال اللجوء إلى إعادة فرز قضائي. حالة من الغموض السياسي تلقي بظلالها على المشهد، لكن ما بات مؤكدًا هو أن مارك كارني بات رئيس الوزراء الجديد، وإن بحكومة أقلية تقف على عتبة الأغلبية.
خريطة سياسية مشوشة… لكن فوز الليبراليين محسوم
تمكّن الليبراليون بقيادة كارني من حصد 169 مقعدًا – أربعة فقط دون العتبة المطلوبة لتشكيل حكومة أغلبية – ما يضعهم في موقع قوي نسبيًا، لكنه هش برلمانيًا. أما المحافظون، فرغم خسارتهم فرصة كانت تبدو في المتناول لبلوغ الحكم، إلا أنهم سجلوا إنجازًا غير مسبوق بحصولهم على 40% من التأييد الشعبي، وتقدمهم بـ25 مقعدًا مقارنة بانتخابات 2021. المفاجأة المدويّة تمثلت بخسارة زعيم الحزب بيار بوالييفر لمقعده في دائرة كارلتون، التي مثّلها لنحو عشرين عامًا، ما يضع مستقبله السياسي تحت المجهر.
ورغم هذه النكسة، يؤكد مستشار الحزب المحافظ، جيمي إليرتون، أن بوالييفر “سيجد مقعدًا جديدًا للعودة إلى مجلس العموم”، لكن السؤال الأهم، برأيه، هو: ماذا بعد؟
وبحسب قواعد العمل في مجلس العموم، يُتوقع من زعماء الأحزاب أن يكونوا نوابًا منتخبين، أو أن يسعوا للحصول على مقعد بأسرع وقت ممكن. وغالبًا ما يتنازل نائب عن مقعده لصالح الزعيم في حال الخسارة، كما حصل في مناسبات سابقة، أبرزها في بريتيش كولومبيا عام 2013 حين خسرت زعيمة الحزب الليبرالي كريستي كلارك مقعدها، لكنها عادت إلى الجمعية التشريعية عبر دائرة أخرى.
فدراليًا، شهدت كندا حالات مماثلة، منها حالة جو كلارك عام 1998، الذي تولّى زعامة الحزب التقدمي المحافظ من دون أن يكون نائبًا، وبقيت إلسي وين تقود الحزب في مجلس العموم حتى فاز كلارك في انتخابات فرعية بعد عامين تقريبًا. كذلك حصل مع زعيم الحزب الديمقراطي الجديد جاك لايتون، الذي استلم زعامة الحزب عام 2003، ودخل البرلمان لاحقًا عام 2004.
وفيما لم تتّضح بعد الدائرة التي قد يترشح فيها بوالييفر، أشار إليرتون إلى أن مدينة أوتاوا “مالت بشدة نحو الليبراليين”، على عكس المناطق الريفية المحيطة بها التي بقيت محافظة.
من جهته، أكد المحلل السياسي سكوت ريد، الذي شغل سابقًا منصب مدير الاتصالات لرئيس الوزراء الليبرالي الأسبق بول مارتن، أن بوالييفر “لا ينوي الاستقالة”، مشيرًا إلى أن خطابه بعد إعلان الخسارة لم يتضمّن أي نية للتنحي، بخلاف زعيم الحزب الديمقراطي الجديد جاغميت سينغ الذي أعلن استقالته من القيادة بعد خسارته مقعده.
وقال ريد: “نعم، لقد خسر الانتخابات – انتخابات كان يُعتقد حتى وقت قريب أنه سيفوز بها بسهولة – لكنه أوضح أنه مصمم على مواصلة المسار، هدفه منذ شبابه هو أن يصبح رئيس وزراء كندا، وهذه المهمة ما زالت قائمة”.
ورغم الحديث عن احتمال تحميل بوالييفر مسؤولية خسارة الفارق الكبير الذي سجله المحافظون في استطلاعات الرأي قبل أسابيع فقط من الانتخابات، يعتقد ريد أن محاولات إقصائه من زعامة الحزب ستفشل، مشيرًا إلى أنه ما زال يتمتع بدعم كافٍ داخل الكتلة النيابية والحزب.
أما بشأن أسباب خسارته، فرأى إليرتون أن “الانهيار الكبير في نتائج الحزب الديمقراطي الجديد، لا سيما في أونتاريو، أفرز نتائج غريبة”، معتبرًا أن اللحظة تتطلب من كل الأحزاب مراجعة شاملة لما حدث، وعدم التسرع في اتخاذ قرارات.
وأضاف: “إذا كنت من المحافظين الآن، فعليك أن تقرأ جيدًا مزاج الشارع. لا أعتقد أن الكنديين مستعدون لخوض انتخابات جديدة في المدى القريب. الناس متعبون من السياسة”.
ونصح الحزب بالتركيز في المرحلة المقبلة على دعم الحكومة في مشاريع حيوية كالبنية التحتية، لتعزيز مصداقيته في أعين المترددين الذين اختاروا التصويت لليبراليين هذه المرة.
المعارضة الموزعة… عنصر قوة أم معطّل محتمل؟
إلى ذلك، شكّل التراجع الحاد لحزب الكتلة الكيبيكية (23 مقعدًا) والحزب الديمقراطي الجديد (7 مقاعد فقط) صدمة انتخابية أطاحت بجاغميت سينغ الذي خسر دائرته وأعلن استقالته. رغم الخسائر، يحتفظ الحزبان بقدرة على ترجيح الكفة داخل البرلمان، في حال قررا لعب دور المعارضة البناءة – أو التعطيلية.
كارني على خط الزلزال: الداخل الكندي أولًا
كارني، المصرفي السابق وصاحب المسيرة الدولية، يدخل المعترك التنفيذي في لحظة دقيقة: برلمان منقسم، توازنات هشة، واستقطاب شعبي هو الأعلى منذ 1958، إذ نال الحزبان الكبيران 85% من أصوات الناخبين بفارق ضئيل لا يتجاوز 400 ألف صوت. التحدي الفوري؟ احتواء الانقسامات الجهوية، ولا سيما في ألبرتا والمقاطعات الغربية، التي تزداد جفاءً مع المركز.
العلاقات مع واشنطن: أول امتحان على أرض كندية
الآن، يستعد كارني الذي وعد بإعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة، لأول اختبار دبلوماسي في قمة مجموعة السبع التي تستضيفها كندا منتصف حزيران/يونيو المقبل. وتتجه الأنظار إلى سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ولايته الثانية، وسط مخاوف من تصريحات عدائية قد تعيد التوتر إلى الواجهة. سيحتاج كارني إلى براعة سياسية واقتصادية لتجنب سيناريو التصعيد.
الملفات الداخلية: لا وقت للترف
من أزمة السكن وارتفاع كلفة المعيشة إلى تباطؤ الإنتاجية وتفاوت الفرص الاقتصادية بين المقاطعات، يجد رئيس الحكومة الجديد نفسه أمام ملفات لا تقبل التأجيل. المطلوب اليوم شراكات فاعلة مع حكومات المقاطعات، وخطة اقتصادية متماسكة تعيد الثقة إلى الأسواق وتخفف العبء عن الكنديين.
وفي خطوة منتظرة، يتوقع أن يعيد كارني تشكيل فريقه الوزاري موسّعًا عدد الحقائب إلى 30، وربما مصححًا لقرار مثير للجدل سابقًا بإلغاء وزارة اللغتين الرسميتين، في إشارة إلى محاولته التهدئة مع كيبيك واستمالة الأقليات.
النافذة الضيقة… والساعة تدق
المئة يوم الأولى من ولاية كارني ستكون حاسمة. لا مجال للتباطؤ في ظل واقع سياسي متقلّب، واحتمال العودة إلى صناديق الاقتراع خلال أقل من عامين. توقيع اتفاق أمني أو تجاري مع واشنطن في وقت مبكر قد يمنح كارني ورقة قوة، فيما يُعد إنجازًا كبيرًا في مهب العاصفة.
الخلاصة؟
الانتخابات انتهت، لكن المعركة بدأت. كارني يمتلك الشرعية، لكن لا يملك ترف الانتظار. من الملفات الداخلية الملتهبة إلى العلاقات الخارجية المعقّدة، عليه أن يتحرك بسرعة وفعالية، فالفشل في المئة يوم الأولى قد يعني الانزلاق إلى مأزق سياسي لا فكاك منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرقم الأبرز: 68,49٪
هذا هو معدل المشاركة المبدئي في الانتخابات الفدرالية التي جرت أمس، بحسب ما أعلنته هيئة الانتخابات الكندية حتى الساعة الرابعة من بعد ظهر الثلاثاء.
- نسبة مشاركة لافتة: 68,49٪ من أصل 28,53 مليون ناخب مسجّل أدلوا بأصواتهم، وهي نسبة أعلى من انتخابات 2021 (62,6٪) وأفضل من 2015 (68,3٪).
- الأعلى منذ ثلاثة عقود: لم تسجَّل نسبة مشاركة مماثلة منذ انتخابات عام 1993، ما يدل على صحوة ديمقراطية واضحة لدى الناخبين.
رسالة قوية يوجّهها الكنديون في لحظة سياسية مفصلية، فهل تعني بداية مرحلة جديدة بثقة شعبية واضحة؟
23.2°