يدخل مارك كارني مرحلة انتقاله إلى السلطة وهو محاط بتحديات سياسية معقدة، بين إرث جوستان ترودو المثير للجدل وظلال دونالد ترامب التي لا تزال تخيم على المشهد الكندي. فهل سيتمكن هذا المصرفي المخضرم من كسب ثقة الناخبين، أم أن السياسة ستفرض عليه واقعًا مختلفًا عن عالم الاقتصاد الذي برع فيه؟
لقاء سريع وترتيبات عاجلة
انتُخب مارك كارني زعيمًا للحزب الليبرالي الكندي يوم الأحد، ليصبح قريبًا رئيس وزراء كندا الجديد، بعدما حصل على 85.9% من أصوات الحزب، متفوقًا بفارق كبير على منافسيه: كريستيا فريلاند (8%)، كارينا غولد (3.2%)، وفرانك بايليس (3%).
وقد تعهد كارني بانتقال سريع للسلطة، في حين تشير التوقعات إلى دعوة مبكرة للانتخابات خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة.
وفي هذا السياق، يتوجب على رئيس الوزراء المنتهية ولايته جوستان ترودو تقديم استقالته رسميًا، حيث سيلتقي أو يتحدث مع الحاكمة العامة ماري سايمون، التي ستدعو بدورها كارني لتشكيل الحكومة الجديدة.
بحسب مايكل ويرنيك، السكرتير السابق لمجلس الملكة الخاص، فإن فريقًا صغيرًا لا يتجاوز 10 أشخاص قد بدأ بالفعل العمل على عملية الانتقال، مشيرًا إلى أن السرعة ستكون عاملًا حاسمًا، خاصة في ظل التحديات العالمية الراهنة.
وأضاف ويرنيك: “في الظروف العادية، قد تستغرق العملية أسبوعًا أو عشرة أيام، لكننا لسنا في أوقات عادية. مع عودة ترامب إلى المشهد السياسي الأميركي، من المرجح أن يتم هذا الانتقال بوتيرة أسرع بكثير، وفقًا لاستعداد كارني والقرارات التي اتخذها مسبقًا.”
ومن المتوقع أن يعلن كارني قريبًا عن تشكيلة حكومته الجديدة، حيث سيحتاج الوزراء الجدد إلى الخضوع لعملية تدقيق أمني، وتوفير وسائل الاتصال الآمنة، بالإضافة إلى تحديد فرق العمل الخاصة بهم.
وفي خطوة أولى، التقى كارني برئيس الوزراء المنتهية ولايته، جوستان ترودو، لمناقشة ملامح المرحلة القادمة، متعهدًا بأن “الانتقال سيكون سريعًا وفعالًا”. ومن بين قراراته الأولى، اختياره ماركو مينديتشينو، وزير الأمن العام السابق، ليكون رئيس ديوانه. لكن هذا الاسم ليس بلا جدل، فقد غادر حكومة ترودو عام 2023 تحت وابل من الانتقادات بشأن قانون مراقبة الأسلحة النارية، وقضية التدخل الأجنبي في الانتخابات، وقرار نقل المجرم بول برناردو إلى سجن أقل حراسة.
التحضير للانتخابات المبكرة
عندما أعلن ترودو استقالته في يناير/كانون الثاني الماضي، قام بتعليق أعمال البرلمان حتى 24 مارس/اذار، لكن التوقعات تشير إلى إمكانية حلّ البرلمان في وقت أقرب والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
ولا يزال الحزب الليبرالي بحاجة إلى استكمال عملية ترشيح المرشحين في 343 دائرة انتخابية، حيث تم حتى الآن تسمية نحو 160 مرشحًا فقط.
أما بالنسبة إلى كارني، الذي لم يُنتخب في البرلمان من قبل، فلم يحدد بعد الدائرة الانتخابية التي سيترشح عنها لشغل مقعد في مجلس العموم.
معارضة من الداخل والخارج
ورغم أن كارني وُلد ونشأ في إدمونتون، إلا أن انتخابه لم يلقَ ترحيبًا من رئيسة وزراء ألبرتا، دانييل سميث، التي تعتبره خصمًا لصناعة النفط والغاز.
أما في كيبيك، فقد طالبه حزب الكتلة الكيبيكية بالكشف عن ممتلكاته المالية، ما يضيف طبقة أخرى من التحديات السياسية التي تنتظره. في هذا السياق، دعا زعيم الكتلة الكيبيكية، إيف-فرانسوا بلانشيه، مارك كارني إلى الكشف الفوري عن مصالحه المالية وأي تضارب محتمل للمصالح أمام مفوض الأخلاقيات. وأكد بلانشيه أنه يتفق مع المحافظين في هذا الشأن.
من جانبه، تعهّد زعيم حزب المحافظين، بيار بوالييفر، يوم الجمعة بتعديل قانون تضارب المصالح في حال انتخابه رئيسًا للوزراء، بحيث يُلزم جميع المرشحين لقيادة الأحزاب السياسية بالإفصاح عن أصولهم المالية لمفوض الأخلاقيات في غضون 30 يومًا من ترشحهم، وجعلها علنية في غضون 60 يومًا.
وقال بلانشيه: “نعرف مدى قرب السيد كارني من دوائر المال العالمية، وأعتقد أن الشفافية الكاملة والفورية ستكون خطوة صحية ومطلوبة.”
وخلال إطلاق حملته لقيادة الحزب الليبرالي الكندي في منتصف يناير/كانون الثاني، صرّح مارك كارني بأنه تخلّى عن جميع مناصبه التنفيذية في شركة الاستثمار Brookfield Asset Management ووكالة Bloomberg. كما أوضح أنه لم يعد عضوًا في مجلس إدارة شركة المدفوعات الرقمية Stripe، أو شركة إدارة الاستثمارات PIMCO، كما أنه أنهى مهامه كمبعوث خاص للأمم المتحدة لشؤون تمويل العمل المناخي.
وأكد كارني التزامه التام بمدوّنة قواعد السلوك التي يفرضها مفوض الأخلاقيات في حال انتخابه زعيمًا للحزب الليبرالي.
من المصرف المركزي إلى الحلبة السياسية
كارني ليس سياسيًا تقليديًا، بل رجل اقتصاد بامتياز. تولى قيادة مصرف كندا المركزي ثم بنك إنكلترا، واكتسب شهرة عالمية كمستشار اقتصادي رفيع المستوى. لكن بين إدارة المؤسسات المالية وإدارة دولة، فرق شاسع.
السياسة ليست مجرد أرقام ونظريات اقتصادية، بل مواجهات إعلامية، مناظرات نارية، ومفاوضات مع خصوم شرسين. حتى الآن، لم يُختبر كارني في هذه الساحات، وسيكون عليه إثبات قدرته على كسب تأييد الناخبين، ومواجهة بيار بوالييفر، زعيم المحافظين الذي لا يفوّت فرصة للهجوم عليه.
إرث ترودو وثقل التركة
إلى جانب التحديات الشخصية، يرث كارني إرثًا سياسيًا معقدًا من ترودو، الذي غادر المشهد بشعبية متراجعة، وحزب ليبرالي يعاني من تآكل التأييد. كما أن بعض قرارات ترودو الأخيرة، مثل اقتراحه إصلاح الشرطة الفدرالية للتركيز على الجرائم الكبرى كالإرهاب والجريمة المنظمة، ستفرض على كارني معارك سياسية صعبة.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن ترودو، وفي أيامه الأخيرة بمنصبه، يدفع نحو تنفيذ إصلاحات في الشرطة الكندية (RCMP)، وفقًا لتقرير حكومي جديد يؤكد ضرورة تحديثها لمواجهة التهديدات الأمنية والجرائم الكبرى. وأوصى التقرير بتركيز الشرطة على الجرائم الخطيرة التي تتجاوز الحدود الإقليمية، وتوظيف محققين فيدراليين متخصصين، وزيادة الاستثمار في قدراتها الفدرالية، إضافة إلى فصل ميزانيتها عن ميزانية الشرطة التعاقدية والعمل على إنهاء هذا النظام بحلول عام 2032 بالتعاون مع المقاطعات. تأتي هذه الإصلاحات بعد انتقادات متكررة لطريقة عمل الشرطة، خاصة عقب حادثة إطلاق النار الجماعي في نوفا سكوشا عام 2020، التي كشفت عن إخفاقات كبيرة، وأعقبها تقرير يوصي بتحسين الأمن العام. كما سبق أن تعهد الليبراليون في 2021 بإصلاح الشرطة وتعزيز الرقابة عليها. يدعو التقرير إلى إعادة تشكيل نموذج الشرطة بالتعاون مع المقاطعات والسكان الأصليين لضمان فعالية واستجابة أفضل للتهديدات الأمنية.
أما على صعيد البيئة، فقد وعد كارني بإلغاء ضريبة الكربون عن المستهلكين، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع وزير البيئة ستيفن غيلبو، الذي لا يزال يدافع عنها بقوة.
الطريق إلى النجاح: أكثر من مجرد اقتصاد
في عالم متغير، حيث تشهد السياسة الكندية استقطابًا حادًا، نجاح كارني لن يكون مرهونًا فقط بماضيه الاقتصادي، بل بقدرته على صياغة رؤية سياسية واضحة، بناء تحالفات، وإقناع الكنديين بأنه ليس مجرد مصرفي مخضرم، بل زعيم قادر على قيادة البلاد في مرحلة مضطربة.
التحديات كثيرة، والاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد. فهل سينجح مارك كارني في تحويل خبرته الاقتصادية إلى قوة سياسية، أم أن السياسة ستُثبِت أنها أكثر تعقيدًا من أسواق المال؟
20.1°