أعلن رئيس الوزراء مارك كارني عن تغيير جوهري في طريقة ممارسة المساءلة السياسية، عبر توقفه عن الردّ شخصياً على جميع أسئلة أحزاب المعارضة في جلسات الأسئلة الأسبوعية في مجلس العموم، وهي الآلية التي اعتمدها جوستان ترودو منذ عام 2017.
قد يبدو هذا القرار شكليًا للبعض، لكنه يعكس رغبة واضحة في الابتعاد عن «رئاسة مفرطة» يتركز فيها كل الاهتمام على شخصية رئيس الحكومة.
إعادة توزيع الأدوار: هل نعود إلى نموذج جماعي أكثر؟
يبدو أن كارني يهدف إلى إعادة توازن السلطة عبر تفويض أكبر لمجلسه الوزاري. سيقتصر دوره على الرد في جولة أسئلة واحدة مع زعماء الأحزاب المعترف بها، في حين يتولى الوزراء التعامل مع باقي الأسئلة. يعيدنا خذا الأمر إلى نموذج كان سائداً قبل عهد ترودو، حيث تكون الحكومة كتلة واحدة أكثر من أن تكون تركيزًا على فرد معين.
منطقياً، يعزز هذا القرار العمل الجماعي ويخفف من الضغط الإعلامي والنقدي المركّز على رئيس الوزراء، ما يسمح بإبراز التنوع والاختصاص في أداء الحكومة.
هل تراجع في الشفافية والمساءلة؟
لكن هذا التحول يطرح تساؤلاً جوهريًا: هل يمثل هذا خطوة إلى الأمام أم تراجعًا في الديمقراطية البرلمانية؟ كانت جلسات أسئلة رئيس الوزراء منصة أساسية لمواجهة مباشرة بين المعارضة والحكومة، تعزز المساءلة وتكشف السياسات.
تقليص هذه الجلسات، حتى مع وعد كارني بالحضور الأسبوعي، قد يضعف شفافية الحكومة أمام الرأي العام ويقلل من فرص الحوار المكشوف الذي تعيشه الديمقراطية بشكل صحي.
خطوة رمزية تعكس أسلوب حكم أكثر تواضعًا
يتماهى هذا التوجه مع نهج كارني الذي يبتعد عن بروباغندا ترودو، من خلال تقليص حجم الحكومة إلى 28 وزيرًا مقابل 37 سابقًا، وتوحيد الخطابات الوزارية، واعتماد أسلوب أكثر تواضعًا وتركيزًا على الأداء الجماعي والكفاءة بدل التركيز على العرض الفردي.
وهذا يعكس قيادة مستمدة من خلفيته في القطاع المالي، تفضل الإدارة المنطقية والفعالة على التصوير السياسي.
تداعيات على العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية
عودة هذا النموذج التقليدي قد تقوي انضباط الحكومة ووحدة العمل الوزاري، لكنها تقلل من ظهور رئيس الوزراء في النقاشات المباشرة مع المعارضة، ما قد يضعف الضغط الديمقراطي على السلطة التنفيذية، خصوصًا في ظل تراجع ثقة الجمهور في المؤسسات السياسية.
أيضًا، تقليل التفاعل المباشر مع النواب المعارضين قد يقيد قدرتهم على طرح القضايا المهمة، وينقص من دور البرلمان كمسرح رئيسي للنقاش السياسي.
ختاماً، يريد مارك كارني أن يعيد تعريف القيادة الحكومية بتوجه جماعي وإدارة عملية، مميزًا نفسه عن التركيز المفرط على شخصية رئيس الوزراء في عهد ترودو. هذا الأسلوب منطقي وفعال من ناحية الإدارة.
لكن لا يمكن تجاهل المخاطر: تقليل حضور رئيس الوزراء المباشر أمام المعارضة قد يضعف المساءلة السياسية ويحد من شفافية العمل الحكومي، مما قد يفتح فجوة ديمقراطية قد تدفع المواطنين إلى فقدان الثقة.
يبقى السؤال المحوري: كيف نوازن بين قيادة جماعية متزنة، وبين الحاجة الملحة إلى حوار سياسي مباشر وشفاف، الذي هو جوهر الديمقراطية الحقيقية؟
25.1°