حذّر فنسنت ريغبي، المستشار السابق لشؤون الأمن القومي والاستخبارات لدى رئيس الوزراء جوستان ترودو، من احتمال أن تلجأ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام تبادل المعلومات الاستخباراتية كأداة ضغط على كندا، في ظل الجدل الدائر حول إنفاقها الدفاعي.
وقال ريغبي، في مؤتمر لمعهد الشؤون العالمية الكندي، إنه يخشى أن تصبح المعلومات الاستخباراتية ورقة تفاوض في مساعي البيت الأبيض لانتزاع مكاسب من كندا، وسط ضغوط أميركية متزايدة لرفع إنفاقها الدفاعي إلى 2% من إجمالي الناتج المحلي، وفقًا لالتزاماتها في حلف الناتو.
وأضاف: “نسمع كثيرًا عن الإنفاق الدفاعي والتهديدات المحتملة إذا لم تتحمل كندا مسؤولياتها. أخشى أن يصبح تبادل المعلومات الاستخباراتية جزءًا من هذه المفاوضات”.
تاريخ من الضغوط الأميركية
في ولايته الأولى، وجه ترامب انتقادات متكررة لكندا بسبب تقاعسها عن الوفاء بالتزاماتها الدفاعية. وتبلغ نسبة الإنفاق الدفاعي الكندي حاليًا 1.37% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تعهد ترودو بالوصول إلى الهدف المحدد بحلول عام 2032.
وألمح ريغبي إلى أن إدارة ترامب قد تتخذ قرارات أكثر صرامة في هذا الصدد، مشيرًا إلى أنه خلال رئاسة ترامب الأولى “لم يكن هذا الأمر مجرد تهديد مبطن، بل طُرح بشكل مباشر في بعض المناسبات”.
أهمية الشراكة الاستخباراتية لكندا
تعتبر كندا “مستهلكًا أكثر من كونها منتجًا” للمعلومات الاستخباراتية، بحسب ستيفاني كارفين، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كارلتون، التي أكدت أن التحالف الاستخباراتي “العيون الخمس”، الذي يضم الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وكندا، يمثل مصدرًا حيويًا للمعلومات الأمنية لكندا، بتكلفة منخفضة نسبيًا.
في هذا السياق، أوضح وزير الأمن العام السابق دومينيك لوبلان، في تحقيق عام بشأن التدخلات الأجنبية العام الماضي، أن “المعلومات الاستخباراتية المشتركة أساسية في مكافحة الإرهاب وحماية الأمن القومي الكندي”.
وقد ظهر مدى أهمية هذا التعاون في عام 2016، عندما تمكنت السلطات الكندية من إحباط هجوم انتحاري في أونتاريو بعد تلقي معلومات من مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي (FBI) حول مقطع فيديو نشره المتطرف الكندي آرون درايفر، يعلن فيه عزمه تنفيذ هجوم إرهابي.
مخاوف متزايدة
مع عودة ترامب إلى المشهد السياسي، تزداد المخاوف في أوتاوا من احتمال “تسليح” المعلومات الاستخباراتية للضغط على كندا في ملفات حساسة، مثل الإنفاق الدفاعي، والسياسات التجارية، والعلاقات مع الصين.
واختتم ريغبي حديثه قائلًا: “علينا أن نأخذ هذا التهديد على محمل الجد، فهو ليس مجرد احتمال نظري”.
تسلط هذه التحذيرات الضوء على ديناميكيات العلاقة المعقدة بين كندا والولايات المتحدة، حيث يعتمد الأمن القومي الكندي بشكل كبير على المعلومات التي يوفرها الحلفاء، وخاصة واشنطن. في المقابل، يمثل إنفاق أوتاوا الدفاعي نقطة توتر دائمة في العلاقات بين البلدين، مع استمرار الضغوط الأميركية لزيادة المساهمة الكندية في الناتو.
ما وراء المخاوف: النفوذ الأميركي والمصالح الكندية
إذا قررت إدارة ترامب استخدام المعلومات الاستخباراتية كأداة ضغط، فقد تجد كندا نفسها في موقف صعب، خاصة وأنها تعتمد بشكل أساسي على العيون الخمس للحصول على البيانات المتعلقة بالتهديدات الأمنية.
لكن السؤال الأبرز هو: هل يمكن لكندا الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة؟
- قد يكون تعزيز القدرات الاستخباراتية الوطنية خيارًا، لكنه يتطلب استثمارات ضخمة ووقتًا طويلًا، ما يعني أن كندا ستظل، في المستقبل القريب، بحاجة ماسة إلى الدعم الاستخباراتي الأميركي.
- من جهة أخرى، قد تحاول أوتاوا تنويع شراكاتها الأمنية مع قوى أخرى مثل الاتحاد الأوروبي، لكن هذا الخيار يظل محدود الفعالية مقارنة بالتحالف الوثيق مع واشنطن.
هل سيتكرر سيناريو “الضغط الاستخباراتي”؟
تاريخيًا، استخدمت الولايات المتحدة أدوات اقتصادية وتجارية للضغط على حلفائها، ولكن تقييد المعلومات الاستخباراتية قد يشكل سابقة خطيرة، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الأمنية العالمية.
إن كان السيناريو الذي يحذر منه ريغبي سيتحقق أم لا، فذلك يعتمد على تطورات العلاقة بين ترودو وترامب، ومدى استعداد كندا لاتخاذ خطوات استباقية لتأمين مصالحها الاستراتيجية دون الانجرار إلى مواجهات مكلفة مع البيت الأبيض.
21.1°