تواجه السلطات القضائية في كيبيك تحديًا كبيرًا في تحصيل الغرامات المالية الضخمة التي تفرضها المحاكم، خاصة في قضايا الاحتيال الضريبي والجرائم المالية، ما يثير تساؤلات حول فعالية الردع القانوني. فعلى مدى العقد الماضي، تجاوزت قيمة الغرامات المفروضة 900 مليون دولار، لكن المبالغ المستردة فعليًا لم تصل إلى ثلث هذا المبلغ، حيث لا يزال أكثر من 600 مليون دولار غير مدفوع.
وتكشف بيانات وزارة العدل، التي حصلت عليها صحيفة لا بريس، أن معظم المخالفين الذين تلقوا أكبر 2000 غرامة منذ عام 2015 لم يسددوا سوى جزء ضئيل منها، أو لم يدفعوا شيئًا على الإطلاق. ومن بين هؤلاء، رجل الأعمال السابق روبرت بارنت، الذي صدر بحقه حكم بغرامة قدرها 114 مليون دولار بسبب الاحتيال الضريبي، إلا أنه تمكن من “سداد” هذا المبلغ عبر 1500 ساعة فقط من العمل المجتمعي في مركز خيري في لافال.
ويرى الخبراء القانونيون أن هذه الأرقام تثير شكوكًا حول قدرة النظام القضائي على فرض العقوبات بفعالية. ويؤكد البروفيسور أوغو جيلبير تريمبلاي، المتخصص في القانون الجنائي بجامعة مونتريال، أن هذه الحالات تُضعف مفهوم سيادة القانون، وتعطي انطباعًا بأن العقوبات المالية يمكن التهرب منها بسهولة، مما يفقدها قيمتها الرادعة.
أما جوليانا ألميدا دي نورونها، المديرة العامة المؤقتة لمكتب المخالفات والغرامات، فتدافع عن أداء إدارتها، مشيرة إلى أن الوزارة تنجح في استرداد 95% من الغرامات الصادرة، لكن هذه النسبة تشمل المخالفات الصغيرة مثل مخالفات السير، وليس العقوبات المالية الكبرى التي تسلط عليها الأضواء.
عشر سنوات بعد إدانته… هل ينجح المحكوم عليه في التهرب من دفع غرامته الضخمة؟
في حالة أخرى تعكس الإخفاق في تحصيل الغرامات الكبرى، لم يسدد أومبرتو فوكو سوى 3% من الغرامة التي فرضتها عليه المحكمة بعد إدانته في قضية احتيال ضريبي قبل عشر سنوات. هذا الموظف السابق في بلدية لافال، البالغ من العمر 58 عامًا، كان قد حُكم عليه في عام 2015 بالسجن 90 يومًا، إلى جانب دفع غرامة تتجاوز مليون دولار، منها 768,187 دولارًا مستحقة لحكومة كيبيك.
ورغم أنه لا يبدو مسجّلًا كمالك لأي عقار، إلا أنه يقيم في منزل فخم في لافال تبلغ قيمته 847,600 دولار، والمُسجَّل باسم زوجته. وفي عام 2022، حاولت السلطات استرداد المبلغ عبر فرض رهن قانوني، إلا أن خطأ إداريًا أدى إلى تسجيله على منزل قريبه الذي يحمل الاسم نفسه، بدلاً من المنزل المستهدف! ولم تتخذ الحكومة منذ ذلك الحين أي إجراءات قانونية جديدة ضد العقار الصحيح.
محامي فوكو، كونراد لورد، أكد أن موكله “يحترم جميع الإجراءات القانونية ويتبع خطة دفع متفق عليها مع محصلي الغرامات”، دون تقديم أي تفاصيل إضافية حول المبلغ الذي سُدّد حتى الآن.
قضية “كارات”: غرامات بملايين الدولارات وأرباح مستمرة
لا تُعدّ قضية فوكو الوحيدة التي تسلط الضوء على الصعوبة التي تواجهها السلطات في تحصيل الغرامات الضخمة. ففي عام 2018، أصدرت المحاكم في كيبيك أحكامًا بغرامات تجاوزت 100 مليون دولار بحق 11 متجرًا للمجوهرات وأصحابها، بعد اعترافهم بتقديم تصريحات ضريبية مزيفة ضمن عملية احتيال كبرى على الضرائب المرتبطة بإعادة تدوير الذهب، والمعروفة باسم عملية كارات.
ورغم مرور سبع سنوات على صدور هذه الأحكام، لم تتمكن السلطات إلا من تحصيل 192,000 دولار فقط، حيث تم تصفية جميع الشركات المدانة قبل صدور الأحكام، مما صعّب عملية تحصيل المبالغ المستحقة. أما أصحاب المتاجر أنفسهم، فقد فرضت عليهم غرامات أقل بكثير تراوحت بين 15,000 و87,000 دولار، ورغم ذلك، لا يزال بعضهم يزاول نفس النشاط التجاري في قطاع المجوهرات والمعادن الثمينة!
هل تصبح الغرامات المالية مجرد أرقام على الورق؟
إذا كان المتهربون من الضرائب قادرين على تفادي دفع الغرامات بسهولة، فهل تتحول هذه العقوبات إلى مجرد أرقام على الورق بدلًا من أن تكون رادعًا حقيقيًا؟ وما الذي يتوجب على السلطات فعله لضمان تنفيذ الأحكام بشكل أكثر صرامة وفعالية؟
الأرقام تكشف واقعًا مقلقًا: ملايين الدولارات تذهب هباءً، فيما يبقى السؤال مطروحًا حول من يدفع الثمن الحقيقي لهذا التهاون القانوني.
21°