أكد تقرير صادر عن مركز الأبحاث CIRANO أن التدابير الحكومية التي تم تبنيها خلال العقود الأخيرة لاستقطاب أطباء الأسرة إلى المناطق الريفية قد أثمرت بشكل واضح. فقد ارتفع عدد أطباء الأسرة في كيبيك من 55 لكل 100 ألف نسمة في عام 1975 إلى 132 في عام 2021، بينما شهدت المناطق النائية زيادة أكبر، حيث ارتفع العدد من 47 إلى 191 طبيبًا لكل 100 ألف نسمة خلال الفترة نفسها.
أشار التقرير إلى أن توزيع الأطباء تحسن بشكل عام، حيث أصبحت المناطق الريفية تحصل على نسبة أكبر من الأطباء مقارنة بالعقود السابقة. تشمل هذه المناطق النائية كلًا من با سان لوران، أبيتيبي تيميسكامينغ، كوت نورد، غاسبيزي-إيل دو لا مادلين، بالإضافة إلى المناطق المعزولة مثل نور دو كيبيك، نونافيك، والأراضي التابعة لكري دي لا باي جيمس. أما في المناطق الحضرية مثل مونتريال، العاصمة الوطنية وإستري، فقد تضاعف عدد أطباء الأسرة من 69 لكل 100 ألف نسمة في السبعينيات إلى 146 طبيبًا في الوقت الحالي.
السياسات التي ساعدت في تحسين التوزيع
أوضح التقرير أن السياسات التي أثرت بشكل مباشر على اختيار الأطباء لمناطق عملهم كانت ثلاثية الأبعاد، وتشمل:
- المنح الدراسية: قدمت الحكومة منحًا للطلاب الذين يلتزمون بالعمل في المناطق الريفية بعد تخرجهم.
- تفاوت الأجور حسب المنطقة: يحصل الأطباء في المناطق النائية على دخل أعلى بنسبة تصل إلى 120% من الأجور الأساسية مقارنة بنظرائهم في مونتريال، مما حفز البعض على اختيار العمل خارج المدن الكبرى.
- خطط التوزيع الطبي الإقليمي (PREM): فرضت قيودًا على أماكن توظيف الأطباء الجدد، حيث أصبح أي طبيب يرغب في العمل يحتاج إلى تصريح من السلطات الصحية الإقليمية، وإلا سيتعرض لخفض كبير في أجره.
رغم فعالية هذه السياسات في إعادة توزيع الأطباء، إلا أن بعض الإجراءات مثل PREM واجهت انتقادات، حيث اعتبرها بعض الخبراء عاملاً منفّرًا، خاصة أنها تحد من حرية اختيار الأطباء لمناطق عملهم وتجبرهم على القبول بمواقع قد لا تتناسب مع رغباتهم.
الآثار السلبية المحتملة
رغم نجاح السياسات في توزيع الأطباء بشكل أكثر توازنًا، إلا أن التقرير أشار إلى بعض التداعيات السلبية لهذه الإجراءات، ومنها:
- تراجع جاذبية الطب العائلي: أدت القواعد الصارمة في بعض المناطق إلى عزوف بعض الطلاب عن اختيار التخصص في الطب العائلي، حيث يفضلون التخصصات التي تمنحهم حرية أكبر في اختيار مكان عملهم.
- توجه الأطباء إلى القطاع الخاص: أدى فرض القيود والحد من الحرية المهنية إلى دفع بعض الأطباء إلى ممارسة الطب خارج نظام التأمين الصحي العام، ما أثر على توافر الأطباء في القطاع الحكومي.
- عدم استقرار التوزيع: رغم ارتفاع عدد الأطباء في المناطق الريفية، لا يزال بعضهم يغادر هذه المناطق بعد سنوات قليلة بحثًا عن فرص أفضل في المدن الكبرى.
محاولات لمعالجة المشكلة
في خطوة للحد من انتقال الأطباء إلى القطاع الخاص، تقدم وزير الصحة كريستيان دوبي بمشروع قانون يجبر الأطباء الجدد، سواء كانوا أطباء أسرة أو متخصصين، على العمل في النظام الصحي العام لمدة خمس سنوات قبل أن يُسمح لهم بممارسة الطب الخاص.
تشير بعض البيانات إلى زيادة عدد الأطباء الذين ينسحبون من نظام التأمين الصحي العام، مما يثير مخاوف بشأن مستقبل توافر الرعاية الطبية المجانية. تقترح بعض الجهات بدلاً من فرض القيود، تنظيم أجور الأطباء الذين يختارون العمل في القطاع الخاص لضمان عدالة المنافسة بين القطاعين العام والخاص.
من ناحية أخرى، يرى بعض الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في جذب الأطباء إلى المناطق الريفية، بل يجب التركيز أيضًا على تحسين ظروف العمل وتقديم الدعم المستمر لضمان بقائهم في تلك المناطق لفترة أطول. يخطط مركز الأبحاث CIRANO لإجراء دراسة إضافية حول مسألة الاحتفاظ بالأطباء، حيث لا يكفي إقناعهم بالانتقال إلى المناطق الريفية، بل يجب أيضًا ضمان استمرارهم هناك لفترة طويلة لتقديم رعاية طبية مستقرة للسكان المحليين.
23°