في صحيفة لا برس، كتب الصحفي بول جورنيه أن كندا لم تعد ذلك البلد الوديع الذي كان يعتمد على صورته كمنارة للعدالة الاجتماعية والتعددية. في عام 2015، فاز جوستان ترودو على ستيفن هاربر من خلال المراهنة على رغبة الناخبين في التغيير، ولكنه وعد أيضًا بإعادة البلاد إلى صورة مثالية، تلك التي ترى كندا دولة رائدة في العدالة الاجتماعية والتعاون الدولي. غير أن هذا التصور أصبح ينتمي إلى عالم لم يعد موجودًا، ولم يكن هذا التغيير الوحيد.
بسبب دونالد ترامب، فإن طبيعة الانتخابات المقبلة ستكون مختلفة تمامًا. صحيح أن كل حملة انتخابية تعد استفتاءً على الحزب الحاكم، لكن الحرب التجارية قد تؤدي إلى خسائر كبيرة. الأولوية الجديدة باتت واضحة: النجاة من هذه الأزمة. لم يعد بإمكان الليبراليين الاعتماد على خطاب القيم كما فعلوا في السابق، لأن الجميع الآن يريد مواجهة ترامب، ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن القيام بذلك؟
لم يعد ممكنًا تكرار الاستراتيجية التي استخدمتها كندا خلال المفاوضات التجارية لعام 2018، فترامب اليوم يعتمد نهجًا مختلفًا، كما أن فريقه قد تغير. على المدى القصير، الأولوية هي التحضير للهجوم المضاد، ووضع استراتيجية تفاوضية، ودعم الشركات خلال هذه الاضطرابات. أعلن ترودو عن إجراءات انتقامية على مرحلتين: فرض رسوم بقيمة 30 مليار دولار يوم الثلاثاء، ثم 125 مليار دولار إضافية خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة. هذه الإجراءات تحظى بدعم زعيم حزب المحافظين بيار بوالييافر، بينما تقترح كريستيا فريلاند، المرشحة لرئاسة الحزب الليبرالي، استهداف منتجات رمزية مثل فرض رسوم بنسبة 100 بالمئة على سيارات تيسلا التي يملكها إيلون ماسك، المؤيد لترامب والذي أثار الجدل بسبب تحياته النازية.
تعتمد طبيعة الرد الكندي على عاملين: كم ستستمر هذه الحرب التجارية، وما الذي قد يدفع ترامب إلى إنهائها؟ للأسف، حتى الرئيس الأميركي نفسه لا يبدو واثقًا من ذلك.
إحصائيًا، عندما نستثني قطاع الطاقة، تحقق الولايات المتحدة فائضًا تجاريًا مع كندا، كما أن مسألة إعادة الوظائف الصناعية لا ترتبط بالعلاقات الكندية الأميركية، بل بظاهرة نقل المصانع إلى المكسيك وأماكن أخرى. ولكن مجرد تقديم هذه الأرقام لن يكون كافيًا لإنقاذ كندا. ترامب لا يفهم سوى لغة القوة، والمعتدون غالبًا ما يستغلون ضعف خصومهم. المشكلة أن حرب الرسوم الجمركية المتبادلة قد تؤذي كندا أكثر مما تؤذي الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا يوجد ما يمنع كندا من اتخاذ بعض الإجراءات المفيدة في كل الأحوال، مثل تأمين الحدود، تعزيز الدفاع الوطني، واتخاذ إجراءات صارمة ضد غسيل الأموال الناتج عن تهريب الفنتانيل، وهو ملف يثير غضب السلطات الأميركية بسبب العقوبات المخففة التي فرضها الليبراليون.
في الأسابيع الأخيرة، بدا أن بيار بوالييافر يفضل البقاء على الهامش وانتقاد الجميع بدلًا من تقديم حلول عملية. لكن يوم الأحد، غير نبرته، وقال إن تعليق عمل البرلمان بسبب السباق على زعامة الحزب الليبرالي هو قرار غير منطقي. وطالب بعقد جلسة طارئة للموافقة على خطة لدعم الشركات الكندية، كما تعهد بعدم السعي للإطاحة بالحكومة فورًا.
على المستوى الإقليمي، بدا أن فرانسوا لوغو كان مترددًا في اتخاذ موقف حازم يوم السبت، إذ اكتفى بالإشارة إلى إمكانية سحب المشروبات الكحولية الأميركية من متاجر هيئة الكحول في كيبيك، بينما كانت مقاطعات أخرى قد أعلنت ذلك بالفعل. لكنه عاد في اليوم التالي وأكد المضي قدمًا في قرار المقاطعة، مشيرًا إلى أن الامتناع عن شراء المنتجات الأميركية هو أقل ما يمكن فعله ردًا على الضربة الاقتصادية التي وجهتها واشنطن إلى أوتاوا.
في غضون ذلك، أعلن لوغو عن خطة لدعم الشركات وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية، إلا أن هذه الخطط تواجه تحديات بسبب نقص العمالة والمشاريع المتراكمة. كما أن بعض الشركات استغلت الأزمة للضغط من أجل تقليل الضرائب وتخفيف القوانين البيئية، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار دقيق للتمييز بين الطلبات المشروعة وتلك التي تأتي في سياق المساومات الاقتصادية.
من المؤكد أن هذه الحرب التجارية ليست مجرد استعراض سياسي، فالشركات الكندية ستواجه الآن رسومًا جمركية في الوقت الذي تخفض فيه الولايات المتحدة الضرائب على منافسيها. ومن المعروف أن حكومة ترودو لم تكن بارعة في إدارة الملفات الضريبية والاقتصادية منذ توليها السلطة. ففي 2018، أدت إصلاحاتها الضريبية إلى فوضى، كما أن تأجيل زيادة معدل ضريبة الأرباح الرأسمالية هذا الشتاء أثار ارتباكًا في الأسواق.
على المدى المتوسط والطويل، فإن الصدمة التي تسبب بها ترامب لا تؤدي إلى تحولات جديدة، بل تسرّع اتجاهات كانت قائمة بالفعل. أزمة كوفيد-19 كشفت هشاشة سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في ما يتعلق بالمنتجات الأساسية مثل الأدوية، الغذاء، وكل ما يتعلق بالأمن القومي. ردًا على ذلك، بدأت بعض الدول بإعادة جزء من صناعاتها إلى الداخل أو بتركيز اتفاقاتها التجارية مع الحلفاء في إطار ما يسمى “فريندشورينغ”.
كندا بدورها سعت في العقد الماضي إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، ووقعت اتفاقية تجارية مع أوروبا، إلا أن بعض الدول، مثل فرنسا، لم تصادق عليها بعد.
لكن داخل كندا نفسها، لا تزال العوائق التجارية بين المقاطعات قائمة رغم الإجماع السياسي على ضرورة حلها. ومع الأزمة الحالية، باتت هذه الإصلاحات ضرورة ملحة وليست مجرد توصيات اقتصادية.
هناك أيضًا مسألتان وطنيتان تزدادان إلحاحًا. منذ التسعينيات، تعاني القوات المسلحة الكندية من نقص التمويل، وهو تقصير تتحمل مسؤوليته الحكومات الليبرالية والمحافظة على حد سواء. والنتيجة أن كندا تواجه صعوبة في حماية سيادتها، خصوصًا مع ازدياد أهمية الممر الشمالي الغربي بسبب تغير المناخ.
المشكلة الثانية هي ضعف الإنتاجية. لا تزال كندا تستثمر القليل في البحث والابتكار، وبدلًا من تطوير طرق جديدة للإنتاج، ركزت حكومة ترودو على زيادة الاستهلاك، كما ظهر في قرارها منح إعفاء مؤقت من ضريبة السلع والخدمات لمدة شهرين كإجراء انتخابي بحت.
بشكل عام، هناك إجماع حول القضايا الرئيسية التي يجب معالجتها، لكن الأولوية ليست في الدفاع عن هذه المبادئ بشكل نظري، بل في صياغة خطة حقيقية وفعالة للخروج من الأزمة.
22.2°