قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعليق الرسوم الجمركية على البضائع الكندية لمدة 30 يومًا، بعد مكالمة مع رئيس الوزراء جوستان ترودو، يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات التجارية والأمنية بين البلدين.
في المقابل، جاء الثمن باهظًا بحيث كانت وافقت كندا على حزمة أمنية بقيمة 1.3 مليار دولار تشمل تعزيز ضبط الحدود، نشر مروحيات “بلاك هوك”، إضافة 10,000 عنصر أمني، وإطلاق حملة لمكافحة تهريب الفنتانيل والجريمة المنظمة.
الصفقة: نجاح تكتيكي أم تنازل استراتيجي؟
يبدو أن الاتفاق يعكس نهج إدارة ترامب في استخدام التجارة كأداة ضغط سياسي، وهو ما يضع كندا أمام خيارين أحلاهما مر: إما تنفيذ التزامات باهظة قد لا تكون مستعدة لها، أو مواجهة رسوم جمركية قد تضرّ باقتصادها الهش.
رئيسة وزراء ألبرتا، دانييل سميث، التي كانت التقت ترامب في منزله في فلوريدا في منتصف يناير/كانون الثاني وتخطط للعودة إلى واشنطن مرتين في فبراير/شباط للقاء المشرعين الأميركيين، رأت أن الاتفاق يمثل جرس إنذار لكندا، مشيرة إلى ضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لضمان عدم تكرار هذا السيناريو. لكنها في الوقت نفسه ألمحت إلى مقاربة براغماتية تتماشى مع مطالب ترامب، قائلة إن إن الطريقة الوحيدة لتجنب الرسوم الجمركية المستقبلية هي أن تكون كندا “جزءًا من المدار الأميركي”، وإن الدول التي تنتمي إلى “المنظومة الأميركية” قد تتمكن من تجنب هذه الضغوط. وأشارت إلى أنه “ربما تستطيع كندا التفاوض على بعض الاستثناءات نظرًا لعلاقتها الخاصة” مع واشنطن.
أزمة سيادة أم أزمة ضعف؟
إلى ذلك، طرح ترامب سابقًا فكرة انضمام كندا كولاية أميركية، وهو تصريح يبدو تكتيكيًا لكنه يكشف نظرة واشنطن إلى جارتها الشمالية. تعليقاً على هذا الموضوع، صرحت سميث بأن كندا بحاجة إلى جيش أقوى وسيادة اقتصادية أكبر، ما يشير إلى إدراك داخلي بأن البلاد أصبحت أكثر عرضة للابتزاز الأميركي، خصوصًا مع افتقارها لنفوذ استراتيجي حقيقي يمكنها من فرض شروطها.
الانتخابات: مخرج أم إعادة تدوير للأزمة؟
تطالب سميث بانتخابات فدرالية مبكرة، معتبرة أن كندا بحاجة إلى قيادة بصلاحيات كاملة لمواجهة المرحلة القادمة. ولكن هل المشكلة في القيادة أم في طبيعة العلاقة بين البلدين؟ حتى لو تغيرت الحكومة الكندية، يبقى السؤال: هل يمكن لأي رئيس وزراء كندي فرض رؤية مستقلة في ظل بيئة اقتصادية تعتمد بشكل كبير على السوق الأميركي؟
الاقتصاد: خطر الرسوم لم ينتهِ بعد
مع إعلان ألبرتا عن موازنتها في 27 فبراير/شباط، تحذر سميث من أن استمرار تهديد الرسوم الجمركية يفاقم حالة عدم اليقين المالي. تعتمد موازنة المقاطعة على سعر نفط يبلغ 74 دولارًا للبرميل لتحقيق التوازن، لكن التوقعات تشير إلى أسعار أقل، ما يعني أن عجز الموازنة قد يكون حتميًا إذا عاد ترامب لفرض الرسوم بعد انتهاء المهلة.
هل تتحول كندا إلى رهينة للضغوط الأميركية؟
اتفاق التهدئة مع ترامب ليس انتصارًا بقدر ما هو هدنة مؤقتة، قد تفتح الباب أمام المزيد من التنازلات الأمنية والتجارية في المستقبل. ما لم تتبنَّ كندا استراتيجيا اقتصادية وسياسية مستقلة تقلل من اعتمادها على السوق الأميركي، فقد تجد نفسها أمام معضلة مستمرة: إما الخضوع لمطالب واشنطن أو تحمل تبعات اقتصادية موجعة.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة: هل تستطيع كندا فرض شروطها، أم أن ترامب سيعود ليضعها أمام اختبار جديد؟
23.2°