في الآونة الأخيرة، تزايد الحديث عن عودة الشباب في كندا، ولا سيما في كيبيك، إلى الدين والقيم التقليدية، وهي فكرة يروج لها البعض على أنها تحول اجتماعي ملحوظ. ولكن ما مدى صحة هذا الادعاء؟ دراسة متأنية للمؤشرات والممارسات الدينية تكشف صورة أكثر تعقيدًا.
مؤشرات التوجه الديني بين الشباب
رغم بعض التصورات بعودة الشباب إلى الدين، تُظهر الأرقام انخفاضًا عامًا في الممارسات الدينية المنظمة، مثل التعميد في الكنائس الكاثوليكية، مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة كوفيد-19. فعلى سبيل المثال، انخفض عدد المعموديات في كيبيك بشكل كبير في السنوات الأخيرة، رغم تعافيه قليلاً بعد الوباء.
بينما كانت أعداد التعميد في تصاعد نسبي بين عامي 2021 و2022 بسبب تأجيل الكثير من المراسم خلال الجائحة، إلا أن هذا الانتعاش لا يعكس عودة دائمة إلى الدين، حيث تشير التوقعات إلى انخفاض مستمر في المستقبل القريب.
النشاط الديني بين الشباب
تشير الدراسات إلى أن عددًا متزايدًا من الشباب الكندي يعتبرون أنفسهم غير منتمين لأي ديانة منظمة. ومع ذلك، تظهر بعض “فسحات من الحيوية” في المشهد الديني، وهي تجمعات أو حركات دينية ذات نشاط ملحوظ وتوجه تقليدي.
على سبيل المثال، فإن التيارات الكاثوليكية التقليدية وبعض الحركات الإنجيلية التي ترتبط أحيانًا بقيم الذكورية والمحافظة، تظهر اهتمامًا متزايدًا بين بعض الفئات الشبابية. هذه الحركات، رغم محدودية أعداد أتباعها، تتمتع بحضور قوي في وسائل التواصل الاجتماعي، مما يسمح لها بجذب المهتمين من مختلف المناطق.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تشكيل الفهم الحديث للدين. الحركات الدينية الصغيرة، مثل الإنجيلية، استطاعت من خلال المنصات الرقمية توسيع نطاق تأثيرها وجذب متابعين جدد. الشباب الذين يبحثون عن معنى أو عن مجتمع يشاركهم القيم والمعتقدات يجدون في هذه المنصات مساحة للانتماء والممارسة الروحية.
حتى المؤسسات الدينية الكبرى، مثل الكنيسة الكاثوليكية، بدأت في الاستفادة من هذه الأدوات الرقمية للتواصل مع جمهورها، حيث تُبث خطابات البابا مباشرة وتُدار حملات للترويج للقيم الدينية عبر الإنترنت.
الدين بين التقليدية والحداثة
رغم ازدياد الحديث عن “العودة إلى القيم التقليدية”، فإن هذا لا يعني بالضرورة عودة إلى الدين المنظم. بدلًا من ذلك، يبدو أن الشباب يبحثون عن معاني وقيم تعكس طموحاتهم الفردية وتوجهاتهم الشخصية.
في الوقت نفسه، يظهر أن بعض الحركات الدينية تستغل الفراغ الروحي الذي يشعر به البعض، لتقديم قيم ومعايير تلبي تطلعاتهم. إلا أن هذا الاتجاه لا يمثل تحولًا شاملًا في المجتمع الكندي، بل يعكس ديناميكية معقدة بين التقاليد والحداثة.
الخلاصة
بينما تتغير النظرة إلى الدين والقيم التقليدية بين الشباب، يظل المشهد الديني في كندا متنوعًا ومتشابكًا. الحركات الدينية، سواء كانت تقليدية أو ناشئة، تستفيد من وسائل الإعلام الرقمية لتعزيز وجودها، لكنها لا تعكس بالضرورة عودة جماعية للشباب إلى الدين. الظاهرة تستحق دراسة معمقة لفهم أسبابها وآثارها الاجتماعية على المدى الطويل.
21.1°