بينما تُسدل الستارة على حملة الانتخابات الفدرالية لعام 2025، يبدو أن مجرياتها لم تحمل مفاجآت. فقد دعا رئيس الوزراء الجديد، مارك كارني، الكنديين إلى صناديق الاقتراع فور تعيينه، مكتفيًا بحملة انتخابية قصيرة من 36 يومًا، وهي المدة الدنيا التي يجيزها القانون.
غير أن الناخبين لم يبدوا أي تذمر من هذا الاختصار، بل لبّوا الدعوة بكثافة غير مسبوقة: أكثر من 7.3 ملايين ناخب صوّتوا مبكرًا، وفق أرقام قياسية. فحين يكون القرار محسومًا، لا حاجة للانتظار. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 89٪ من الكنديين قرروا بالفعل لمن سيمنحون أصواتهم، ولا نية لديهم لتبديل الموقف.
طريقان متوازيان لا يلتقيان
الحملة الانتخابية بدت وكأنها تجري على مسارين منفصلين. في مسار أول، تكرّر الأحزاب وعودها بانتظام، مدعومة بإطارات مالية كُشف عنها متأخرًا وتثير تساؤلات حول واقعيتها. وفي مسار ثانٍ، يتفاعل الناخبون مع لحظة سياسية دولية مضطربة، أبرزها عودة دونالد ترامب إلى الواجهة، ما جعل كثيرين يضعون أمن كندا ومستقبلها نصب أعينهم، بعيدًا عن الوعود الحزبية.
تُرجم هذا المزاج عبر نسب مشاهدة مرتفعة للمناظرة الفرنسية بين الزعماء، حيث برزت الحاجة إلى شخصية “تحرس الوطن”. وهنا ظهر اسم مارك كارني كمرشح يحمل رمزية الرجل الجديد، الخبير الاقتصادي المخضرم الخالي من الأثقال السياسية.
كارني: رجل اللحظة
خلافًا لما ظنه خصومه، تحوّلت قلة تجربة كارني السياسية إلى نقطة قوّة. فالناخب الكندي، في ظل عالم مضطرب، بدا أكثر استعدادًا لمنح الثقة لشخص هادئ الطباع، لا يبدو متأثرًا بعواصف السياسة التقليدية.
مقابل ذلك، فشل زعيم المحافظين، بيار بواليبفر، في التخلص من صورته كنسخة مصغرة من ترامب، بخطابه الحاد، وعدائه للإعلام، ونظرته السوداوية لمستقبل البلاد. وبدل أن يوسّع دائرة مؤيديه، اكتفى باستقطاب قاعدته الصلبة.
بل إن بعض مقترحاته أثارت الجدل، كتقليص المساعدات الدولية، أو تهديد الجامعات بخفض التمويل بذريعة مكافحة معاداة السامية. وهي مواقف بدت غريبة عن المزاج الكندي العام، الرافض لنسخ السياسات الأميركية.
تساؤلات معلّقة حول كارني
ورغم الصورة الإيجابية التي يرسمها كارني، إلا أن أسئلة مشروعة لا تزال من دون إجابة. أبرزها: ما علاقته بالملاذات الضريبية حين كان على رأس شركة بروكفيلد؟ وأين اختفى خطاب التمويل الأخضر الذي كان يُعرف به منذ توليه رئاسة بنك إنكلترا عام 2015؟ فحتى يوم الأرض في 22 أبريل/نيسان مرّ بصمت من طرفه، في مؤشر على حسابات انتخابية محتملة.
لكن، في ميزان السياسة، يبدو أن كفة كارني راجحة حاليًا، خاصة مع تحركاته الخارجية الذكية: الابتعاد عن واشنطن المتقلبة، والتقارب مع شركاء عالميين أكثر استقرارًا.
الرهانات الحقيقية تبدأ بعد الاقتراع
اللافت أن 9 من أصل كل 10 كنديين يعتبرون أن انتخابات 2025 أكثر أهمية من سابقاتها، في مؤشر على حجم الرهانات المطروحة. فاختيار القائد، هذه المرة، طغى على الانتماءات الحزبية.
وربما أخطأ بوالييفر حين حاول إلصاق اسم كارني بترودو، فيما الأخير بات خارج المعادلة السياسية. فالحاجة إلى التماسك الوطني دفعت الناخبين إلى تجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية.
ورغم تقليل رئيس حزب الكتلة الكيبيكية، إيف-فرانسوا بلانشيه، من تأثير “ظاهرة ترامب” على الانتخابات، فإن الواقع يُظهر أن الكنديين قد أخذوها بالحسبان، واختاروا من خلالها الرهان على مارك كارني.
لكن، تبقى الكلمة الفصل لصناديق الاقتراع، ولا شيء مضمون في الديمقراطية، لا من حيث الأسماء ولا من حيث حجم التفويض.
21.3°