في زمن تُباع فيه الذكريات بالمزاد، يثار سؤال كبير: من يحمي ذاكرة الشعوب من أيدي التجار؟
اليوم نسلط الضوء على قضية تثير الكثير من الجدل في كندا: شركة هادسونز باي، تلك المؤسسة العريقة التي طبعت تاريخنا منذ أكثر من ثلاثة قرون، تعلن عن نيتها عرض مقتنياتها الثمينة في مزاد علني.
بينها الميثاق الملكي لعام 1670، ووثائق نادرة ومقتنيات تشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ كندا وشعوبها الأصلية.
فهل يمكن السماح بأن تنتقل هذه الكنوز من ملكية عامة إلى خزائن خاصة؟
ماذا يقول المسؤولون؟ وماذا تطالب به مؤسساتنا الثقافية؟
مع اشتداد الأزمة المالية التي تعصف بشركة هادسونز باي، تتكثف الدعوات من مؤسسات ثقافية وأوساط أرشيفية في مانيتوبا لإعادة الكنوز التاريخية للشركة إلى القطاع العام. ويأتي ذلك على وقع إعلان الشركة نيتها عرض أكثر من 2700 قطعة أثرية و1700 عمل فني، بالإضافة إلى الميثاق الملكي الشهير لعام 1670، في مزاد علني بعد أن فشلت في سداد ديونها المتراكمة.
في عام 1994، تبرعت الشركة بمجموعتها الغنية من الوثائق والمقتنيات لمتحف مانيتوبا وأرشيفات المقاطعة، لتصبح بذلك هذه الكنوز تحت رعاية الدولة. وتضم المجموعة أكثر من 27 ألف قطعة، من خرائط تعود إلى عام 1709 إلى تسجيلات صوتية ومذكرات ورسائل شخصية، تمتد على أكثر من 1500 متر من رفوف الأرشيف.
لكن الحدث الأبرز حالياً هو مصير الميثاق الملكي الذي أنشأ الشركة قبل أكثر من 355 عاماً. وتؤكد كاثلين إيب، المسؤولة عن أرشيفات هادسونز باي في المقاطعة، أن الوثيقة يجب أن تكون “في متناول الجمهور” وألا تقع في أيدي مصالح خاصة، خاصة أنها تؤرخ لتأسيس أقدم شركة تجارية في البلاد ولها دور محوري في تشكيل الاقتصاد الكندي.
وفي ظل إعلان نية الشركة تصفية أصولها، عبّر مسؤولون في المتحف عن رغبتهم في استعادة هذه الوثائق، معتبرين أن «الميثاق هو حجر الأساس لفهم تاريخ كندا، ويجب ألا يُختزل إلى مجرد سلعة في مزاد».
وقد دخلت أطراف عديدة على خط الأزمة، من بينها مجلس السكان الأصليين التابع لجمعية المتاحف الكندية، الذي دعا لاحترام حقوق ومطالب الشعوب الأصلية المنصوص عليها في المعاهدات وفي إعلان الأمم المتحدة حول حقوق السكان الأصليين.
من جهته، لمّح رئيس وزراء مانيتوبا، واب كينو، إلى إمكانية تدخل حكومي لحماية هذه المقتنيات، معتبراً أن “موقعها الطبيعي هو بين أيدي الكنديين، لا في خزائن خاصة”.
تجدر الإشارة إلى أن بعض الوثائق التي تحتفظ بها أرشيفات مانيتوبا، والمتصلة بهادسونز باي، استُخدمت في دراسات علمية حول التغيّر المناخي، وفي تتبع الأنساب أو دعم مطالبات أراضٍ تاريخية. وتؤكد السيدة إيب أن “القيمة الحقيقية لهذه الوثائق تكمن في قدرتها على الربط بين الماضي والحاضر، وفتح نوافذ لفهم أدق لتاريخ البلاد”.
ومع تواتر التقارير عن وجود مقتنيات تعود إلى القرن السابع عشر، بما فيها لوحات وبطانيات ومستندات نادرة ودمى باربي قديمة ضمن المعروضات المحتملة للبيع، تتجه الأنظار الآن إلى مدى قدرة المجتمع المدني والحكومات على التحرك لحماية هذا التراث من التشتت والضياع.
21.3°