للمرة الأولى منذ تولّيه العرش قبل عامين، يزور الملك تشارلز الثالث كندا، بصفته ملك البلاد. إنها زيارة نادرة، لكنها تأتي مثقلة بالرمزية السياسية، لتعيد إشعال الجدل المزمن بشأن جدوى النظام الملكي وموقعه في كندا الحديثة.
في هذا السياق، كشف تقرير إعلامي أن وزراء في الحكومة البريطانية حاولوا ممارسة ضغوط على رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لتفادي أي بروتوكول في أثناء الزيارة قد يُغضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مسعى للحفاظ على العلاقات التجارية البريطانية الأميركية. ركّزت هذه الخطوة الضوء مجدداً على الحرج الناجم عن تعدد ألقاب الملك تشارلز، الذي يتولى العرش في كل من المملكة المتحدة وكندا ودول أخرى ضمن الكومنولث.
في نظر الكثير من المناهضين للنظام الملكي، تفتح هذه الازدواجية الباب أمام تضارب محتمل في الولاءات والمصالح، وتطرح علامات استفهام بشأن مدى استقلالية القرار الكندي إذا كان رأس الدولة نفسه خاضعًا لحسابات خارجية.
دستورياً، لا تملك بريطانيا أي سلطة قانونية على الملك في كندا، وتُعتبر مهامه الكندية منفصلة تمامًا عن مهامه في المملكة المتحدة. ومع ذلك، فإن الواقع السياسي يتجاوز النصوص القانونية، ليصل إلى مستوى الانطباعات العامة والرسائل غير المباشرة، ولا سيما عندما تتقاطع الرمزية الملكية مع التوازنات الجيوسياسية الدولية.
وسط هذا السجال، لا يمكن تجاهل حقيقة بسيطة لكنها مؤثرة: الملكية في كندا “رخيصة”. فعلى عكس دافعي الضرائب البريطانيين الذين يموّلون نفقات القصور ورواتب العائلة الملكية، لا تدفع كندا للملك أي راتب، ولا تتحمّل تكاليف إقامته الفاخرة. الصفقة هنا واضحة: كندا تغطي فقط نفقات الإقامة والتنقّل عند الزيارة، وزيارات الملوك نادرة أصلاً.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الكلفة الحقيقية ليست مادية، بل رمزية وديمقراطية. لأن مجرد وجود شعور بأن رأس الدولة قد يكون خاضعًا لمصالح دول أخرى، يُضعف الثقة بالنظام السياسي ويُطرح كإشكالية في زمن تسعى فيه الدول لإعادة تعريف سيادتها بشكل أوضح وأقرب لوجدان شعوبها.
في النهاية، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح متجدد: هل ما زالت الملكية قادرة على التعبير عن هوية كندا السياسية في القرن الحادي والعشرين؟ أم أن الوقت حان لإعادة النظر في هذا النموذج الذي يبدو منفصلاً أكثر فأكثر عن واقع المجتمع الكندي وتطلعاته؟
21.3°