في خطوة مفاجئة هزّت الأوساط السياسية في كيبيك، وشكّلت خسوفاًً حجب المستجدات الأخرى، أعلن يوم أمس الوزير المسؤول عن الاقتصاد، الابتكار والطاقة، (والمسؤول عن مهام كثيرة أخرى تبرر إطلاق صفة “الوزير بالغ الأهمية” عليه) بيار فيتزغيبون، استقالته من منصبه، ما أثار حالة من الصدمة والتساؤلات.
تُعدّ هذه الاستقالة ضربة قوية لحكومة فرانسوا لوغو، إذ كان كثيرون يتوقعون إكمال الوزير فيتزغيبون — وهو صديق مقرّب لرئيس الوزراء فرانسوا لوغو — لمهامه ولا سيما تلك المتعلقة بالإصلاحات في قطاع الطاقة.
تناول العديد من الصحف هذا الصباح موضوع الاستقالة من زوايا مختلفة:
- صحيفة لو دوفوار وتحت عنوان: “إرثالسوبر وزير بيار يتزغيبون غير مكتمل“، تحدّثت عن استقالة فيتزغيبون وتأثيرها على البيئة الاقتصادية في كيبيك. ونقلت عن العديد من الفاعلين الاقتصاديين خيبة أملهم حيال استقالته، إذ وصفه كارل بلاكبيرن، رئيس مجلس الأعمال في كيبيك، بأنه “فقدان للنظام الاقتصادي”. كما أشار المقال إلى الإنجازات التي حققها الوزير، ولا سيما في مجال تطوير استراتيجيات البطاريات والانتقال إلى الطاقة الكهربائية، لكنه أشار أيضًا إلى عدم اكتمال الإصلاحات المتعلقة بالطاقة، مثل مشروع القانون 69.
كذلك، استشهد المقال بتصريحات ميشال لوبلان، المدير العام لغرفة تجارة منطقة مونتريال، الذي اعتبر أن فيتزغيبون “إعادة تعريف” دور وزير الاقتصاد وأنه كان له دور مهم خلال جائحة كوفيد-19، حيث تمكّن من اتخاذ قرارات سريعة لمواجهة الأزمات الاقتصادية. - أما صحيفة لا بريس فعنونت ”استقالة بيار فيتزغيبون: “الإلكترون الحر“ الذي لم يتغير“، وتناولت طبيعة شخصية الوزير المستقيل وأساليبه في العمل. وقد تم وصفه بأنه شخصية واضحة وصريحة لا تخشى التعبير عن آرائها. وأشاد بعض أصدقائه ومعارفه بنمطه المباشر، فاعتبروا أنه لم يتغير حتى بعد دخوله عالم السياسة. ورغم النجاحات التي حققها، إلا أن هناك من اعتبر أنه كان يواجه تحديات بسبب بعض آرائه المثيرة للجدل. وقد أكد المقال أن خلفيته كرجل أعمال ساهمت في تشكيل مواقفه.
- من جهتها، وتحت عنوان ”ولاية متقلبة: المشاريع التي تركها بيار فيتزغيبون غير مكتملة“، أفادت لو جورنال دو مونتريال بأن استقالة الوزير تأتي في وقت حرج، إذ تترك وراءها العديد من المشاريع غير المكتملة، بما في ذلك مشاريع البطاريات المهمة مثل مشروع “نورثفولت” الذي يواجه تأخيرات. كما تطرق المقال إلى مشروع قانون الإصلاح الخاص بهيدرو- كيبيك الذي كان من المقرر مناقشته في البرلمان، والذي سيسمح بتعديل الرسوم بحسب الطلب، ما يزيد من أهمية إعادة تقييم سياساته السابقة.
تظهر كل المقالات المنشورة هذا الصباح أن استقالة فيتزغيبون لا تعكس فقط تحولًا في المشهد السياسي، بل تشير أيضًا إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه كيبيك. وتركت استقالته العديد من الأسئلة حول كيفية استكمال الإصلاحات اللازمة لاستدامة الاقتصاد الكيبيكي في المستقبل.
ولا بدّ من الإشارة إلى أن صحيفة لا بريس (عبر الصحافي تومي شوينار) حصلت على السبق الصحافي عبر نشرها التسريب الذي أفاد أن قرار المغادرة كان خرج منذ يوم الإثنين، من قبل رئيس الوزراء فرانسوا لوغو، علماً أن الوزير كان صباح أمس في جولة إعلامية على إذاعات محلية وهو لم يجب إيجاباً على الأسئلة المتعلقة ببقائه.
المحلل السياسي هوغو لافاليه في هيئة الإذاعة الكندية كتب أن حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك (CAQ) يشهد أوقاتًا عصيبة بعد إعلان الوزير فيتزجيبون، عن نيته مغادرة منصبه في ديسمبر/كانون الأول المقبل. هذا الإعلان، الذي جاء في منتصف ولاية تشهد بالفعل تحديات كبيرة، يعد ضربة قوية للحكومة ولزعيمها فرانسوا لوغو.
منذ توليه منصبه قبل ست سنوات، كان واضحًا أن فيتزغيبون، الذي كان له تاريخ طويل في عالم الأعمال، لن يكون وزيرًا عاديًا. بشخصيته المستقلة وصراحته المعهودة، تجاوز الحدود التقليدية للسياسيين، منتقدًا وسائل الإعلام وحتى معارضة رئيس الوزراء. على الرغم من الانتقادات المتكررة من قبل المفوضية الأخلاقية، بقي فيتزغيبون صامدًا، مفضلًا الاستقالة على أن يصبح عبئًا على حكومته.
لكن، ورغم هذا الصمود، قرر الوزير في النهاية الرحيل. ووفقًا لمصادر مطلعة، أبلغ فيتزغيبون رئيس الوزراء لوغو بنيته ترك منصبه في ديسمبر/كانون الأول، إلا أن لوغو فضّل الإعلان عن ذلك فورًا لتجنب التأثير السلبي على عمل الحكومة خلال الأشهر المقبلة.
رحيل فيتزغيبون يشكل تحديًا كبيرًا لـ CAQ. ففي الصيف الماضي، استقالت النائبة جويل بوتين، مما أدى إلى هزيمة الحزب في الانتخابات الفرعية في دائرة جان تالون، وهو ما أضعف موقف الحكومة وأدى إلى تعزيز مكانة حزب كيبيك. والآن، يخشى الحزب من تكرار السيناريو نفسه في دائرة تيربون، التي كانت تاريخيًا تميل إلى حزب كيبيك، وقد يمنح هذا الوضع فرصة جديدة لزعيم حزب كيبيك، بول سان بيير بلاموندون.
إلى جانب التأثير السياسي، يثير رحيل فيتزغيبون مخاوف بشأن مستقبل المشاريع الاقتصادية الحيوية في كيبيك. فقد كان الوزير وراء استقطاب استثمارات ضخمة في قطاع البطاريات، الذي تراهن عليه الحكومة لسد الفجوة الاقتصادية بين كيبيك وأونتاريو. إلا أن تأجيل مشروع شركة نورثفولت السويدية يظهر أن النجاح ليس مضمونًا بعد، وأن التحديات الاقتصادية قد تتفاقم مع تباطؤ مبيعات السيارات الكهربائية.
كذلك، تظل قضايا الطاقة مسألة حيوية غير محسومة. كيف ستمول هيدرو – كيبيك برامجها الاستثمارية الضخمة؟ وما تأثير ذلك على رسم الكهرباء للمواطنين والصناعات؟ بيار فيتزغيبون كان لديه بعض الأفكار، لكنه لن يكون هو من يتخذ القرارات النهائية.
في الكواليس، يشاع أن فرانسوا لوغو يخطط لتوزيع مهام فيتزغيبون على عضو آخر في الحكومة. لكن من الصعب تصور أن أي شخص آخر سيتمكن من إدارة الأمور بنفس الكفاءة والاستقلالية التي كان يتمتع بها فيتزجيبون، ما يزيد من احتمال إثارة استياء بين أعضاء الحزب الذين لم تتحقق طموحاتهم بعد.
ما يزيد من غرابة الموقف هو أن فيتزغيبون، حتى قبل ساعات قليلة من تسريب خبر استقالته، كان يظهر اهتمامًا كبيرًا بمستقبل قطاع البطاريات ويحث على ضرورة اتخاذ قرارات صعبة لتحقيق اقتصاد خالٍ من الكربون. يبدو أن قراره بالمغادرة جاء مفاجئًا للكثيرين، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التحول في مسار حياته المهنية.
كما أشرت، عُلم أن لوغو طلب من الوزير، الذي كان لديه نية الاستقالة، أن يستقيل بعد عيد الميلاد، كي لا يشكّل مصدر إلهاء لمدة أربعة أشهر، الأمر الذي استدعى الكثير من الأسئلة من قبل المراقبين. ما هو الأهم؟
وكانت الشائعات حول احتمالية عدم إكمال فيتزغيبون لولايته انتشرت منذ بعض الوقت، إلا أن الاستقالة جاءت في وقت حرج. وهي أتت في الوقت الذي يجتمع فيه نواب حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك في خلوة في مدينة ريموسكي لتحضير بداية الدورة البرلمانية.
عند وصوله إلى ريموسكي ظهر أمس الثلاثاء، أفاد لوغو أن الوزير، البالغ من العمر 69 عامًا، سيلقي كلمة أمام زملائه في بداية المساء للإعلان عن قراره.
وقال لوغو: “لدينا عشاء مقرر منذ فترة طويلة مع جميع النواب هذا المساء. سيتحدث بيار فيتزغيبون أولاً إلى النواب، ثم سألتقي بكم صباح الغد مع (فيتزغيبون) لنقدم لكم جميع التفاصيل”.
لم يُخفِ العديد من نواب الحزب دهشتهم عند وصولهم إلى فندق ريموسكي.
وقال وزير العمل، جان بوليه: “إنه حقًا صدمة. لقد كنت دائمًا معجبًا بكفاءاته، وقدراته، وشبكة معارفه… إنها خسارة، في رأيي، كبيرة جدًا”.
وأضاف وزير الصحة، كريستيان دوبيه: “اسمعوا، لقد تفاجأت قليلاً. إنه شخص قدم الكثير لحكومتنا خلال السنوات الماضية. أول رد فعل لي هو أن أشكره”.
من جهتها، قالت رئيسة مجلس الخزانة، سونيا لوبيل: “إنها خسارة كبيرة… لكن علينا فقط احترام خياره. السياسة ليست سهلة”.
ومع ذلك، فإن الرحيل أثناء فترة الولاية “ليس أبدًا شيئًا ممتعًا”، حسبما قالت وزيرة العلاقات الدولية، مارتين بيرون.
سيجبر رحيل بيار فيتزغيبون رئيس الوزراء لوغو على تعديل وزاري وإعلان انتخابات تكميلية في تيربون، في وقت يتصدر فيه الحزب الكيبيكي نوايا التصويت.
ردود فعل المعارضة: بين المدح والانتقاد
من خلوة الحزب الليبرالي في غاتينو، قالت النائبة الليبرالية مروه رزقي: “بيار فيتزغيبون، رجل ذو جودة عالية جدًا”.
ووفقًا للنائبة المعارضة، التي قالت إن الوزير كثيرًا ما ساعد الشركات في دائرتها، فإن استقالته هي “خسارة لكيبيك”.
واغتنمت رزقي فرصة عقد مؤتمر صحافي غير مخطط له ظهر الثلاثاء لتطلب إلى رئيس الوزراء فرانسوا لوغو بسحب مشروع القانون 69 الخاص بالطاقة.
وقالت النائبة عن سان لوران، والتي دعت إلى “مشاورات وطنية” حول الطاقة: “نتحدث عن مشروع قانون صُمم وتفكر فيه رجل واحد: بيار فيتزغيبون”.
من جهته، تساءل زعيم الحزب الليبرالي المؤقت، مارك تانغاي، “من سيكون قادرًا، يوم الثلاثاء المقبل، على الإجابة على أسئلتنا وأسئلة العشرات من المجموعات؟”، في إشارة إلى مشروع القانون المتعلق بالطاقة الذي من المقرر دراسته هذا الخريف.
من جانبه، أشار زعيم الحزب الكيبيكي، بول سان بيار بلاموندون، إلى أنه على الرغم من الخلافات، يحيي الالتزام السياسي لبيار فيتزغيبون، الرجل الذي لم يكن له لسان في جيبه طوال مسيرته السياسية”.
لكن على وسائل التواصل الاجتماعي، كتب زعيم الحزب الكيبيكي أن “بيار فيتزغيبون يترك السفينة وسط العاصفة، بعدما أشعل هو نفسه هذه العاصفة”.
وكما هو الحال مع النائبين الليبراليين، أشار سان بيار بلاموندون إلى القضية الشائكة للطاقة، التي كان فيتزغيبون مسؤولًا عنها حتى اليوم، فقال: “بينما كنا نتمتع بفائض في الطاقة قبل عامين فقط، اختارت حكومة التحالف من أجل مستقبل كيبيك إهدار طاقتنا ببيعها بأسعار منخفضة للشركات الكبرى والولايات المتحدة”.
وفي مؤتمر صحافي، دعا زعيم الحزب الكيبيكي رئيس الوزراء إلى إجراء تعديل وزاري سريع “حتى يتولى أحد النواب البالغ عددهم 89 شخصًا ملف الطاقة ويتولى شخص آخر ملف الاقتصاد، ويقوم هؤلاء بأداء واجباتهم”.
أما المتحدث باسم حزب التضامن في كيبيك في مجالات الاقتصاد والابتكار والطاقة والمالية، هارون بوعزي، فقد أشاد بدور بيار فيتزغيبون.
ومع ذلك، أشار بوعزي إلى أن “استقالته تأتي في وقت حرج للغاية، حيث تواجه شركة نورثفولت صعوبات، حيث باع الوزير بسرعة جميع الميغاواط المتاحة للشركات متعددة الجنسيات الأجنبية، وحيث يتلقى مشروع القانون الضخم للطاقة انتقادات من جميع الجهات”.
وقال النائب من حزب التضامن في كيبيك: “رحيل الوزير هو فرصة لفعل الأمور بشكل مختلف”.
سياسي قريب من رواد الأعمال
قبل دخوله السياسة في عام 2018، شغل بيار فيتزغيبون منصب الشريك المدير في شركة والتر كابيتال بارتنرز، وهي شركة استثمارية خاصة. كما شغل عدة مناصب في مجالات التمويل وتطوير الأعمال.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، شكر رئيس ومدير عام مجلس أرباب العمل الكيبيكي، كارل بلاكبيرن، فيتزغيبون “على التزامه بتطوير الاقتصاد الكيبيكي”.
وأشار كارل بلاكبيرن إلى أن الوزير المستقيل “فهم رواد الأعمال والاقتصاد كما لم يفعل سوى قلة من النواب” في الجمعية الوطنية، وأن “رؤيته وقيادته أثرت في عمل الحكومة”.
ومن الجدير ذكره أن بيار فيتزغيبون واجه العديد من المشكلات مع مفوضة الأخلاقيات في الجمعية الوطنية، أريان مينغنوليه، بسبب ارتباطاته التجارية العديدة. ولكن لم يؤخذ عليه أنه فعل ذلك لمصلحته.
أسئلة كثيرة تُطرح:
كيف ستؤثر استقالة بيار فيتزغيبون على مستقبل المشاريع الاقتصادية في كيبيك وعلى توازن القوى السياسية في المقاطعة؟ هل ستؤدي استقالته إلى إعادة صياغة سياسة الطاقة والاقتصاد في كيبيك من بعدما كان الربان الوحيد المسؤول هن الملاحة في هذين الملفين الاساسيين؟
أما السؤال الأبرز مع استقالة فيتزغيبون فهو: من سيحل مكانه؟ سيتعيّن على لوغو أن يجد خليفاً ذات ثقل كبير الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى إعادة خلط الأوراق.
22.2°