تشهد مقاطعة كيبيك انتشارًا متزايدًا لما يمكن وصفه بـ “مرض الائتمان”، حيث يعاني غالبية سكانها من أزمة ديون مزمنة نتيجة الاعتماد المفرط على الائتمان، والذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. في كتاب جديد يحمل عنوان “لقد انتهى مجتمع الاستهلاك لدينا!“، يستعرض المؤلفان إيزابيل تيبو، عالمة الأنثروبولوجيا المتخصصة في الاستهلاك، وجاك نانتيل، الخبير المخضرم في التسويق، الأسباب والتداعيات المدمرة لهذا المرض الاقتصادي.
تأتي هذه الرسالة القوية بالتزامن مع طرح الكتاب في الأسواق بتاريخ اليوم 24 سبتمبر/أيلول، حيث يحاول المؤلفان تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها الأفراد في كيبيك نتيجة العيش في نظام اقتصادي يعتمد بشكل مفرط على الائتمان كوسيلة لتحقيق النمو. تقول تيبو: “الذين يغرقون في الديون، نلومهم دائمًا، لكن الحقيقة هي أن الائتمان يُعرض في كل مكان وفي أي وقت. إنه أساس النظام الاقتصادي الحالي، إذ بدون الائتمان، لا يمكن تحقيق النمو”.
المجتمع الاستهلاكي في أزمة
على مدى 25 عامًا من عملها كمستشارة مالية في جمعية ACEF، ساعدت تيبو العديد من الأفراد والعائلات على الخروج من أزمات الديون. تستعرض في كتابها التجارب المروعة التي عاشها هؤلاء الأشخاص، مشيرة إلى أن الديون ليست دائمًا نتيجة سوء إدارة مالية من الأفراد، بل تعكس طبيعة النظام الاقتصادي الحالي الذي يروج لفكرة أن النمو الاقتصادي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الاستهلاك المستمر، والذي غالبًا ما يكون عبر الائتمان.
يضيف جاك نانتيل، الذي عمل كأستاذ في التسويق في جامعة HEC مونتريال لأكثر من خمسة عقود، بعدًا آخر للكتاب من خلال طرحه لنقد لاذع لمفهوم الاستهلاك. يقول نانتيل: “لقد انتهى العصر الذي كنا نشتري فيه كل شيء من الأدوات المنزلية والسيارات إلى الكماليات. لم يعد منطقيًا، لا اقتصاديًا ولا بيئيًا، أن نستمر في هذا النمط”.
الائتمان كوقود للاقتصاد
يعتبر المؤلفان أن الاعتماد على الائتمان ليس مشكلة فردية بل هو أمر أساسي للحفاظ على عجلة الاقتصاد. يوضح الكتاب أن الكثير من سكان كيبيك يقعون في فخ الديون بسبب الضغوط الاجتماعية والرغبة في الحفاظ على نمط حياة معين، حتى لو كان ذلك يعني اللجوء إلى الائتمان. يشير الكتاب إلى أن أكثر من 60% من سكان كيبيك ينفقون أكثر مما يكسبون، ما يجعل الديون أمرًا شائعًا في كل منزل تقريبًا.
في هذا السياق، يُعطي نانتيل مثالاً حول المسابح الخاصة في كيبيك، حيث يشير إلى أن عدد المسابح الخاصة للفرد في كيبيك يفوق مثيله في فلوريدا أو كاليفورنيا، ولكنها تُستخدم بمعدل 12 مرة فقط في السنة، بينما تكلف ثروة في بنائها وصيانتها. يقول: “إذا استمررنا في هذا النهج، فسوف نواجه كارثة مالية واجتماعية”.
الانتقاد للنظام الاقتصادي
يتناول الكتاب أيضًا كيفية استغلال النظام الاقتصادي لمشاعر الأفراد واحتياجاتهم الأساسية، مثل الانتماء والشعور بالرضا. أصبح الائتمان الوسيلة التي يعتمد عليها الكثيرون لتحقيق هذه الاحتياجات، مما أدى إلى زيادة مستويات الديون بشكل مقلق. تقول تيبو: “الجميع يريد أن يكون جزءًا من المجتمع، والجميع يسعى للحصول على السعادة، ولكن النظام الاقتصادي يبيع هذه المشاعر كمنتجات استهلاكية”.
توضح المؤلفة أن النظام الاقتصادي يعتمد على الفقراء وأولئك الذين ينفقون بشكل غير مسؤول للحفاظ على النمو الاقتصادي. “بدون هؤلاء الأفراد الذين يقعون في فخ الائتمان، سيتعرض الاقتصاد للركود”، تضيف تيبو.
نداء للتغيير
يسعى المؤلفان من خلال هذا الكتاب إلى توجيه نداء قوي لتغيير الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع الائتمان والاستهلاك. يركز الكتاب على ضرورة الوعي بأضرار الاستهلاك المفرط والديون، ومحاولة الانتقال نحو نمط حياة أكثر استدامة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضًا من الناحية النفسية والاجتماعية.
يشكل كتاب “لقد انتهى مجتمع الاستهلاك لدينا!“ دعوة صريحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالائتمان والاستهلاك. من خلال تجارب واقعية وأبحاث معمقة، يقدم المؤلفان رؤيتهما حول كيفية الخروج من أزمة الديون التي تحاصر غالبية سكان كيبيك. هذا الكتاب ليس مجرد تحليل للأزمة الاقتصادية، بل هو أيضًا نداء لإحداث تحول جذري في الفكر الاستهلاكي، والتأكيد على أن السعادة والانتماء لا يمكن شراؤهما بالائتمان.
23.1°