أعلن تطبيق ديبسيك الصيني العامل بالذكاء الاصطناعي، أمس الاثنين، تعرّضه لهجوم إلكتروني “خبيث واسع النطاق” اضطره إلى الحد موقتاً من تسجيل مستخدمين جدد. وأوضحت الشركة أن المستخدمين الذين لديهم حساب قائم سيكونون قادرين على الدخول كالمعتاد. ويأتي ذلك فيما تخطى “ديبسيك” تطبيق “تشات جي بي تي” في عدد التنزيلات على متجر “آبل”، بعد أسبوع من النقاشات حول قدراته التي تعتبر معادلة لقدرات منافسيه الأميركيين الرئيسيين، مقابل كلفة أدنى بكثير.
ديبسيك: المنافس الصيني الذي يهدد عمالقة الذكاء الاصطناعي
في تحول غير متوقع، أصبح تطبيق الذكاء الاصطناعي الصيني “ديبسيك” (DeepSeek) حديث الساعة في عالم التكنولوجيا، حيث استطاع منافسة أقوى النماذج الأمريكية مثل “تشات جي بي تي” (ChatGPT) و”جيميني” (Gemini)، بل وتفوق عليهما من حيث عدد التنزيلات. لكن مع النجاح الكبير، جاءت التحديات، إذ تعرض التطبيق لهجوم إلكتروني واسع النطاق في 27 يناير 2025، مما دفع الشركة إلى الحد مؤقتًا من تسجيل مستخدمين جدد.
ورغم ذلك، أكدت الشركة أن المستخدمين الحاليين لن يتأثروا بالهجوم وسيتمكنون من استخدام التطبيق بشكل طبيعي. لكن يبقى السؤال: ما الذي يجعل “ديبسيك” يشكل تهديدًا حقيقيًا للذكاء الاصطناعي الغربي؟ وهل هو مجرد طفرة عابرة أم بداية ثورة جديدة في هذا المجال؟
ديبسيك يهز أسواق التكنولوجيا العالمية
لم يأتِ صعود “ديبسيك” بمحض الصدفة، فقد نجح في تخفيض تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مستويات غير مسبوقة. في حين أن تدريب نموذج مثل “تشات جي بي تي” يتطلب استثمارات بمئات الملايين من الدولارات، تمكنت الشركة الصينية من تطوير نموذجها بتكلفة لا تتجاوز 5.6 مليون دولار فقط! هذا الفارق الكبير أدى إلى إعادة تقييم شركات التكنولوجيا في وول ستريت، حيث خسرت “إنفيديا” (Nvidia) الرائدة في صناعة معالجات الذكاء الاصطناعي ما يقارب 593 مليار دولار من قيمتها السوقية بسبب قلق المستثمرين من جدوى تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي الغربية.
هذا التأثير دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى وصف “ديبسيك” بأنه “جرس إنذار لصناعة التكنولوجيا الأمريكية”، معتبراً أن هذه الخطوة يجب أن تدفع شركات وادي السيليكون إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها.
لماذا يخيف “ديبسيك” الشركات الأمريكية؟
وفقًا للخبراء، هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل “ديبسيك” مصدر قلق لشركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية:
1. نموذج أعمال منخفض التكلفة
- في حين أن استخدام “تشات جي بي تي” يتطلب اشتراكًا شهريًا بقيمة 20 دولارًا، فإن “ديبسيك” مجاني بالكامل لمعظم المستخدمين، مما يجعله الخيار الأول في الأسواق الناشئة.
- تكلفة تشغيله للمطورين أقل بكثير، حيث تبلغ تكلفة واجهة برمجة التطبيقات (API) لـ “ديبسيك” 0.14 دولار لكل مليون رمز، مقارنةً بـ 7.50 دولار لكل مليون رمز لنموذج OpenAI المنافس.
2. نموذج مفتوح المصدر
- أحد أكبر التحديات التي واجهت “تشات جي بي تي” كان افتقاره إلى الشفافية بعد أن تخلت “أوبن إيه آي” عن مفهوم “الانفتاح”.
- بالمقابل، جعلت “ديبسيك” نموذجها مفتوح المصدر، مما يعني أن أي شخص يستطيع تحميله وتشغيله على أجهزته الخاصة دون مشاركة بياناته مع الشركة، وهو ما يعتبره الكثيرون خطوة ثورية في مجال الذكاء الاصطناعي.
3. أداء قوي في المهام التقنية
- رغم أن “تشات جي بي تي” لا يزال الأفضل في المهام الإبداعية مثل كتابة المقالات والتأليف الفني، إلا أن “ديبسيك” متفوق في البرمجة، التفكير المنطقي، وحل المعادلات الرياضية.
- هذا يجعله الخيار الأول للمطورين والباحثين في المجالات التقنية، ما قد يدفع العديد من الشركات إلى استبدال خدمات “أوبن إيه آي” بـ “ديبسيك” بسبب الأداء المتقارب والسعر المنخفض.
القلق الأمني ومخاوف الخصوصية
رغم النجاح الكبير، لم يسلم “ديبسيك” من الانتقادات، حيث أشار وزير العلوم الأسترالي إيد هاسيك إلى مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات، محذرًا المستخدمين من تحميل التطبيق دون التفكير في المخاطر المحتملة.
في المقابل، تعمل الحكومة الأمريكية على فرض قيود جديدة على التطبيقات الصينية، مثلما حدث مع تطبيق “تيك توك”، حيث تسعى شركة “مايكروسوفت” حاليًا إلى شرائه بعد ضغط من إدارة ترامب.
ما التالي لـ “ديبسيك”؟
يبدو أن المعركة بين الذكاء الاصطناعي الصيني والأمريكي قد بدأت بالفعل. ومع انتشار “ديبسيك” عالميًا، ستضطر شركات مثل “أوبن إيه آي” و”غوغل” و”مايكروسوفت” إلى إعادة تقييم نماذج أعمالها لمواجهة هذا التحدي الجديد.
هل سيصبح “ديبسيك” هو المعيار الجديد في عالم الذكاء الاصطناعي؟ أم أن العقوبات الغربية ستحدّ من انتشاره عالميًا؟ الأيام القادمة ستكشف لنا الكثير عن شكل المنافسة المستقبلية في هذا المجال.
21.1°