تؤكد كندا التزامها الثابت بدعم أوكرانيا من خلال تشديد تنفيذ العقوبات على روسيا، في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة نحو توطيد علاقاتها التجارية مع موسكو، ما يثير تساؤلات حول موقفها الجيوسياسي. فبينما رفضت أوتاوا مقترح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بإعادة روسيا إلى مجموعة السبع، كشفت بيانات حكومية حديثة عن تصعيد جهودها لفرض العقوبات على موسكو بشكل أكثر صرامة.
وترى المحللة السياسية في صحيفة ذي غلوب آند ميل، ريتا تريشور، أن هذا النهج يعكس سعي كندا لعزل الاقتصاد الروسي، رغم مساعي بعض الأطراف في واشنطن لاستكشاف فرص تجارية في إطار عملية سلام غير مؤكدة تستبعد أوكرانيا حتى الآن.
في هذا السياق، كشف تيد غاليفان، نائب الرئيس التنفيذي لوكالة خدمات الحدود الكندية، أن الوكالة أجرت تحقيقات حول شحنات تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج يُشتبه في توجهها إلى روسيا، تشمل معدات إلكترونية وبرمجيات وأجهزة ملاحة يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية، ما يجعلها خاضعة للرقابة بموجب العقوبات.
وتُشرف وزارة الخارجية الكندية على برنامج العقوبات، بينما تتولى وكالة خدمات الحدود والشرطة الفدرالية مسؤولية تنفيذها. وتسعى السلطات الكندية لإحباط محاولات تهريب السلع الخاضعة للعقوبات عبر دول وسيطة، من خلال تكثيف عمليات التفتيش الجمركي واحتجاز الشحنات المشبوهة.
ووفقاً للبيانات الرسمية، قامت وكالة خدمات الحدود الكندية في السنة المالية 2023-2024 بفحص أكثر من 490 ألف تصريح تصدير، وأوقفت 95 شحنة للفحص، مما أسفر عن 32 إجراءً تنفيذياً ومنع تصدير سلع بقيمة 3.2 مليون دولار كندي، إلى جانب مصادرة بضائع بقيمة 450 ألف دولار كندي بسبب انتهاكات مؤكدة للعقوبات. وفي السنة المالية الحالية 2024-2025، خضعت أكثر من 400 ألف شحنة للتقييم، مع احتجاز 152 شحنة، ما أدى إلى تنفيذ 31 إجراءً تنفيذياً إضافياً ومنع تصدير سلع بقيمة 2.6 مليون دولار كندي، فضلاً عن مصادرة بضائع بقيمة 580 ألف دولار كندي.
ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو محدودة مقارنة بالحجم الكلي للتجارة، إلا أن كندا تعتبر أن تشديد العقوبات يسد ثغرات استغلها المهربون سابقاً. وأكد المتحدث باسم وكالة خدمات الحدود، غيوم بيروبي، أن “كندا تظل ملتزمة بسيادة أوكرانيا واستقلالها وسلامة أراضيها، والعقوبات جزء أساسي من هذا الالتزام”.
لكن نجاح هذه العقوبات يعتمد أيضاً على التنسيق الدولي، لا سيما مع الولايات المتحدة، التي تربطها علاقات تجارية واسعة بكندا. ففي قضية حديثة، لعبت البيانات الجمركية الكندية دوراً في محاكمة مواطن كندي من مونتريال، نيكولاي غولتسيف، إلى جانب الأميركي سليمجون نصرالدينوف، بتهمة التورط في شبكة تصدير غير قانونية بملايين الدولارات إلى شركات روسية خاضعة للعقوبات.
ويشير هذا إلى الطبيعة العابرة للحدود لعمليات التهرب من العقوبات، مما يزيد القلق بشأن التباين المتزايد بين سياسات أوتاوا وواشنطن تجاه موسكو. ويأتي ذلك في وقت يطالب فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتشديد العقوبات، وسط مخاوف من أن يسعى ترامب مستقبلاً إلى تخفيفها في إطار أي مفاوضات مع روسيا.
ويرى الخبير في السياسات الاقتصادية، إدوارد فيشمان، أن رفع العقوبات الأميركية يشكل أولوية استراتيجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتشير التقارير إلى أن كيريل دميتريف، رئيس صندوق الاستثمار الروسي، كان فاعلاً في المحادثات الأميركية-الروسية الأخيرة، حيث عرض فرصاً استثمارية مغرية لشركات النفط الأميركية، ما أثار قلقاً من احتمال عودة الاستثمارات الأميركية إلى السوق الروسية.
في ظل هذا المشهد، يبدو أن أوكرانيا لا يمكنها التعويل بالكامل على الولايات المتحدة، ما يستدعي تحركاً أكثر صرامة من كندا والاتحاد الأوروبي لتعزيز العقوبات والتنسيق مع الحلفاء لضمان استمرار الضغط على موسكو.
22.2°