كتب ستيفن هاربر، رئيس وزراء كندا الثاني والعشرين، من عام 2006 إلى عام 2015، مقالًا في صحيفة ذي غلوب إند مايل يتناول فيه موقف كندا تجاه السياسات الأميركية، ولا سيما في ظل النهج غير المتوقع للرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه العلاقات التجارية بين البلدين.
يبدأ هاربر بالإشارة إلى الضبابية المحيطة بنوايا ترامب المستقبلية تجاه كندا، لكنه يؤكد على ضرورة أن تمتلك كندا خطة واضحة للتعامل مع أي سيناريو محتمل. ويوضح أن الرئيس الأميركي كان مستعدًا، بحجة واهية، لإلغاء اتفاق التجارة الحرة الذي شكل أساس العلاقات الاقتصادية بين البلدين على مدى عقود، قبل أن يعدل عن قراره مؤقتًا. ويؤكد أن كندا لا يمكنها التكهن بمستقبل هذه العلاقة، لكنها بحاجة إلى استراتيجيا متماسكة.
أربعة دروس أساسية لكندا
يشير هاربر إلى أربعة مبادئ يجب أن توجه السياسة الكندية في التعامل مع هذه التحديات:
- التحلي بالهدوء وعدم التسرع في الرد: يجب أن تنتظر كندا حتى تتضح قرارات الإدارة الأميركية قبل اتخاذ أي إجراء. كذلك، يلفت إلى غياب دعم شعبي واسع في الولايات المتحدة لأي تحركات تجارية معادية لكندا، نظرًا إلى أن مثل هذه القرارات قد تضر بالمصالح الأميركية أيضًا.
- الاستعداد لأسوأ السيناريوهات: يجب أن تمتلك كندا خططًا احتياطية لمختلف الاحتمالات، بما في ذلك اندلاع حرب تجارية. ويوضح أن الرد بفرض تدابير مضادة ليس الخيار الأمثل، لكنه يظل ضروريًا لتجنب تدفق اقتصادي أحادي الجانب لصالح الولايات المتحدة.
- عدم تقديم تنازلات أحادية: يشدد هاربر على أن التنازلات المجانية ستُستغل من دون مقابل، ما سيشجع واشنطن على طلب المزيد. لذا، ينبغي تقديم أي تنازلات فقط في إطار اتفاق متكامل يضمن مصالح كندا.
- تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة: يرى هاربر أن ترامب لا يعتبر كندا شريكًا اقتصاديًا مفيدًا، بل ينظر إليها كمصدر استنزاف اقتصادي. لذا، يجب على كندا التوقف عن السعي وراء تعميق العلاقات التجارية والأمنية مع واشنطن، والتركيز بدلًا من ذلك على تنويع علاقاتها الاقتصادية.
فرصة لبناء اقتصاد تنافسي
يعتبر هاربر أن الوضع الحالي يشكل لحظة حاسمة يمكن أن تستغلها كندا لتعزيز اقتصادها وجعله أكثر تنافسية عالميًا. ويقترح سلسلة من الإصلاحات الهيكلية، مثل:
- إزالة الحواجز التجارية بين المقاطعات الكندية.
- فتح الأسواق الداخلية وتحفيز المنافسة.
- خفض الضرائب وتقليل الإعانات الحكومية.
- تخفيف القيود التنظيمية على الأعمال.
- تطوير البنية التحتية التصديرية وتعزيز إنتاج الموارد الطبيعية.
ويشدد على ضرورة أن تستفيد كندا من شبكة اتفاقات التجارة الحرة التي أبرمتها حكومته قبل أكثر من عقد، بدلًا من التراجع نحو الحمائية الاقتصادية. ويحذر من أن تبني سياسات اقتصادية انعزالية على غرار “الحمائية الترامبية” سيضر بالاقتصاد الكندي بدلًا من حمايته.
دعوة لتعزيز الأمن والدفاع
يؤكد هاربر أن كندا يجب أن تتحمل مسؤولية حماية مواطنيها وتعزيز أمنها القومي، وهو ما يتطلب استثمارًا جادًا في الجيش وتعزيز القدرات الدفاعية البرية والبحرية والجوية. ورغم أهمية التعاون مع الولايات المتحدة، يرى أن كندا يجب أن تكون قادرة على التصرف بشكل مستقل عند الحاجة.
الابتعاد عن الاستقطاب السياسي
في ختام مقاله، يحذر هاربر من الانجرار وراء العداء الخطابي تجاه الولايات المتحدة أو ترامب، معتبرًا أن ذلك لن يخدم المصالح الكندية. ويدعو إلى التعامل مع الأزمة القادمة بـ”مهنية صارمة وثقة هادئة”، معتبرًا أن هذه الفترة الصعبة قد تشكل انطلاقة جديدة لكندا نحو “تجديد وطني عاجل”.
يطرح هاربر فرصة لإعادة تعريف الدور الكندي عالميًا، لكن نجاح ذلك يتطلب إرادة سياسية واستراتيجية طويلة الأمد تتجاوز التقلبات الظرفية.
23.2°