صعّد رئيس الوزراء الكندي الأسبق، ستيفن هاربر، هجومه على مارك كارني، المرشح الأبرز لزعامة الحزب الليبرالي، متهمًا إياه بالمبالغة في دوره خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وتحميله مسؤولية الإخفاقات الاقتصادية خلال تعاونه مع حكومة جوستان ترودو.
وفي رسالة لجمع التبرعات وجهها إلى أنصار حزب المحافظين، شكك هاربر في مزاعم كارني بشأن إدارته للأزمة المالية، مؤكدًا أن وزير المالية الراحل، جيم فلاهرتي، هو من اتخذ القرارات الحاسمة آنذاك، بينما لم يكن لكارني دور مباشر في توجيه الاقتصاد الكندي يوميًا. وأضاف هاربر: “لقد استمعت، بذهول متزايد، إلى محاولات كارني لنسب الفضل لنفسه في أمور لم يكن له دور يُذكر فيها”.
وأشار هاربر إلى أنه، رغم تعيينه كارني على رأس مصرف كندا المركزي عام 2008، فإن الأخير لم يكن صاحب القرار في السياسات الاقتصادية الأساسية، بل اقتصر دوره على التنسيق مع الحكومة خلال الأزمة. غير أن خبراء الاقتصاد يجمعون على أن كلًا من كارني وفلاهرتي لعبا أدوارًا محورية، حيث ساهم مصرف كندا المركزي في استقرار الأسواق عبر خفض أسعار الفائدة، بينما اعتمدت الحكومة إجراءات مالية لدعم الاقتصاد.
من جهته، اعتبر فريق حملة كارني أن انتقادات هاربر تأتي في سياق دعم زعيم المحافظين، بيار بوالييفر، الذي يواجه تراجعًا في شعبيته. وجاء في بيان للحملة: “في عام 2012، كان بإمكان هاربر أن يعيّن بوالييفر وزيرًا للمالية، لكنه اختار كارني بدلاً من ذلك”.
ومع اقتراب موعد انتخابات زعامة الحزب الليبرالي في 9 مارس/آذار، يتزايد هجوم المحافظين على كارني، ساعين إلى ربطه بسياسات حكومة ترودو، مثل فرض ضريبة الكربون، وزيادة الهجرة، والعجز الفدرالي الذي بلغ نحو 62 مليار دولار في السنة المالية 2023-2024.
في المقابل، يدافع كارني عن سجله الاقتصادي، متعهدًا بإلغاء ضريبة الكربون المفروضة على المستهلكين، وتعزيز الاستثمار في مشاريع البنية التحتية والطاقة، وفرض قيود على الهجرة، وتحقيق توازن في الموازنة الفدرالية خلال ثلاث سنوات.
معركة النفوذ الاقتصادي: المحافظون والليبراليون وصراع السرديات
يتجاوز هجوم هاربر على كارني حدود النقد السياسي التقليدي، ليعكس قلق المحافظين من بروز منافس قد يعيد رسم المشهد السياسي الكندي. فكارني، القادم من عالم المال والمصارف، يتمتع بمصداقية اقتصادية قد تهدد هيمنة المحافظين على الخطاب الاقتصادي، لا سيما مع محاولاتهم تقديم بوالييفر كبديل موثوق.
وتكشف هذه المواجهة عن معركة على “الذاكرة الاقتصادية” لكندا؛ حيث يسعى المحافظون لترسيخ فكرة أن نجاح البلاد خلال الأزمة المالية كان بفضل سياساتهم، وليس بفضل مصرف كندا المركزي بقيادة كارني. في المقابل، يقدم كارني نفسه كشخصية تكنوقراطية قادرة على إدارة التحديات الاقتصادية، مع وعود بتعديل بعض السياسات الليبرالية المثيرة للجدل، مثل ضريبة الكربون.
لكن المواجهة لا تتعلق فقط بالسرديات، بل بترتيب الأولويات الاقتصادية. ورغم انتمائه الليبرالي، يسعى كارني إلى جذب ناخبي الوسط وحتى اليمين، عبر وعوده بخفض الضرائب وتشديد سياسات الهجرة، وهي نقاط تلتقي مع أجندة المحافظين. ومع اقتراب حسم زعامة الحزب الليبرالي، يبقى السؤال: هل سينجح كارني في تجاوز إرث ترودو وإقناع الناخبين بأنه ليس مجرد امتداد لسياساته، بل قائد اقتصادي مستقل؟
21.2°