بعد يومين من أدائه اليمين رئيسًا لوزراء كندا، وقبيل إعلان متوقع عن الانتخابات الفدرالية، بدأ مارك كارني جولة أوروبية قصيرة تهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية والأمنية مع فرنسا والمملكة المتحدة.
تأتي هذه الزيارة بعد أول خطاب له كرئيس للوزراء، أكد فيه أن حكومته ستبدأ العمل فورًا، معلنًا إلغاء ضريبة الكربون على المستهلكين. كذلك طلب إلى وزير الدفاع بيل بلير مراجعة صفقة شراء مقاتلات F-35 الأميركية، في خطوة قد تكون ورقة ضغط في ظل الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي إحاطة صحافية غير رسمية، قال مسؤول حكومي كبير إن “الرسالة واضحة: كندا لديها أصدقاء حول العالم، وهي صديقة جيدة للولايات المتحدة، لكننا جميعًا ندرك الوضع هناك، ومن الواضح أنه يمكننا تعزيز تعاوننا مع دول أخرى”.
وأضاف المسؤول أن الغرض من الزيارة هو “تعميق الشراكات مع الدول الأوروبية الرئيسية”، مشيرًا إلى أنها خطوة تمهيدية لمزيد من التعاون في المستقبل.
لقاءات مع ماكرون وستارمر والملك تشارلز
من المقرر أن يلتقي كارني اليوم الاثنين بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مأدبة غداء عمل، قبل أن يجتمع في لندن مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، من ثم سيحظى بمقابلة مع الملك تشارلز. وبعدها، سيعود إلى كندا عبر محطة في إيكالويت، حيث سيلتقي رئيس حكومة نونافوت ويزور أفراد حرس الدوريات الشمالية الكندية.
في سياق متصل، أجرى كارني نهاية الأسبوع محادثات هاتفية مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأكد دعم كندا لمقترح وقف إطلاق النار الفوري في أوكرانيا، داعيًا روسيا إلى “الجلوس إلى طاولة المفاوضات بنية صادقة”.
من جهته، قال زيلينسكي في منشور على منصة إكس إن المحادثة مع كارني كانت “جيدة وبنّاءة”، مضيفًا أن رئيس الوزراء الكندي شدد على ضرورة زيادة الضغوط على موسكو.
موقف حذر تجاه واشنطن
في خطوة لافتة، لم تشمل أولى زيارات كارني الخارجية الولايات المتحدة، رغم أن النزاع التجاري بين البلدين يعد أبرز تحدٍّ يواجهه.
وفي مقابلة مع قناة فوكس نيوز، قالت سفيرة كندا لدى واشنطن، كريستين هيلمان، إن كارني يتطلع إلى بناء “علاقة قوية ومتينة” مع ترامب، مؤكدة أنه “يحترم التزام الرئيس الأميركي بتحسين الاقتصاد الأميركي”.
لكن خبراء يرون أن تأجيل زيارة واشنطن “تكتيك مدروس”، حيث قال السيناتور بيتر هاردر، وهو مسؤول سابق في الشؤون العالمية، إن “كارني ينتظر وضوح الرؤية بشأن سياسة العقوبات الأميركية قبل اتخاذ أي خطوة”.
تعزيز الشراكات الأوروبية وسط التوترات
يبدو أن كارني يسعى إلى توجيه رسالة بأن كندا ليست معتمدة حصريًا على الولايات المتحدة، بل هي لاعب عالمي قادر على بناء علاقات استراتيجية متنوعة.
وسيناقش في لقائه مع ماكرون سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي، بينما سيتطرق مع ستارمر إلى قضايا الأمن عبر الأطلسي، والتجارة، والذكاء الاصطناعي.
الجدير ذكره أن محادثات التجارة الحرة بين كندا والمملكة المتحدة تعثرت العام الماضي بسبب خلافات حول المنتجات الزراعية، ما يجعل زيارة كارني فرصة لإعادة إحياء المفاوضات.
مراجعة صفقة مقاتلات F-35
ومن بين الملفات الحساسة التي يتعامل معها كارني، مسألة شراء 88 مقاتلة F-3 5 من شركة لوكهيد مارتن الأميركية. فقد طلب مراجعة الصفقة، لكنه يبقى ملتزمًا قانونيًا بشراء أول 16 طائرة.
وفي تعليق على ذلك، قال جيمس بيزان، الناقد المحافظ لشؤون الدفاع، إن حكومة ترودو السابقة “لعبت بالورقة السياسية” في ملف استبدال أسطول الطائرات الكندية، مضيفًا أن “القوات الجوية الكندية كان ينبغي أن تحصل على مقاتلات جديدة منذ فترة طويلة”.
غير أنه أقرّ بأن “إذا استمرت واشنطن في إثبات أنها شريك غير موثوق به، فقد تضطر كندا إلى البحث عن بدائل أخرى لتحديث قواتها المسلحة”.
قراءة في الأحداث: بين واشنطن وأوروبا.. كيف يرسم كارني خريطة تحالفات كندا؟
جولة مارك كارني الأوروبية الأولى كرئيس للوزراء ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة الخارجية الكندية، في ظل واقع دولي متغير وتحديات داخلية متزايدة.
وقرار كارني بدء جولته في باريس ولندن، متجاوزًا واشنطن في هذه المرحلة، يبعث برسائل متعددة الاتجاهات. داخليًا، يريد طمأنة الكنديين بأن حكومته لن تكون رهينة التوترات الاقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة، بل ستسعى إلى تنويع شركائها. خارجيًا، يضع كارني أوروبا كأولوية في مرحلة تتسم بالغموض بشأن توجهات السياسة الأميركية في عهد ترامب.
اقتصاد وسياسة.. كيف يوازن كارني بين الطرفين؟
كارني، الخبير المالي العالمي السابق، يدرك أن كندا لا تستطيع فك ارتباطها عن الاقتصاد الأميركي، لكنه في الوقت ذاته يعرف أهمية تقوية تحالفاتها الأوروبية كضمانة ضد الاضطرابات التجارية مع واشنطن. ولهذا، تأتي لقاءاته مع ماكرون وستارمر في سياق بحثه عن شركاء أكثر استقرارًا لموازنة الضغوط الأميركية.
ورغم التصريحات الدبلوماسية، فإن تجاهل كارني لزيارة الولايات المتحدة في أولى جولاته يشير إلى توتر تحت السطح، خاصة في ظل تهديدات ترامب باتخاذ إجراءات تجارية ضد كندا. تأجيل اللقاء قد يكون محاولة لكسب الوقت، أو ربما اختبارًا لمدى مرونة واشنطن قبل الدخول في مفاوضات شائكة حول قضايا مثل التعريفات الجمركية وصفقة مقاتلات F-35.
إعادة صياغة علاقة كندا بالعالم
بين مراجعة صفقات الدفاع، وتعزيز التعاون الأوروبي، واتباع نهج أكثر حذرًا تجاه الولايات المتحدة، يبدو أن كارني لا يسعى فقط إلى إدارة أزمة، بل إلى إعادة تعريف دور كندا على الساحة الدولية. السؤال الأهم: هل سينجح في الحفاظ على التوازن، أم أن الضغوط الأميركية ستعيده إلى مسار أكثر تقليدية في العلاقة مع واشنطن؟
21.1°