في خطوة تعكس تزايد التدقيق في مواقف المرشحين وتصريحاتهم، أعلن الحزب المحافظ الكندي إسقاط ترشيح ثلاثة من مرشحيه، أحدهما في مونتريال والآخر في وندسور، أما الثالث في نيو ويستمينتسر بسبب ما وصفه الحزب بـ”تصرفات غير مقبولة” من الأول، بينما لا تزال أسباب استبعاد الثاني والثالث غير واضحة بشكل رسمي.
حسابات سياسية أم استجابة لضغوط؟
القرار الذي طال ستيفان ماركي، مرشح دائرة لورييه-سانت-ماري في مونتريال، ومارك ماكنزي، مرشح دائرة ويندسور-تيكومسيه-لايكشور في أونتاريو، ولورنس سينغ مرشح دائرة نيو ويستمنيتسر – برنابي – ماياردفيل، يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى اتساق الأحزاب الكندية في تطبيق معاييرها الأخلاقية والانضباطية، وهل هذه القرارات نابعة من مبدأ واضح أم أنها تُتخذ وفق حسابات سياسية وانتقائية.
في حالة ماركي، فإن السبب الذي دفع الحزب لإبعاده لا يزال غير معلن بشكل رسمي، لكن استبعاده جاء بعد مراجعة منشوراته على منصة “إكس”، والتي تضمنت تأييدًا لمنصات إعلامية يمينية وانتقادًا لصافرات الاستهجان ضد النشيد الأميركي، إضافة إلى إعادة نشر آراء تربط توسع الناتو باندلاع الحرب في أوكرانيا. وفي ظل عدم وجود توضيح رسمي، يبقى السؤال: هل يعكس قرار الحزب توجهًا نحو ضبط خطابه السياسي أم أنه استجابة لضغوط داخلية وخارجية تخشى من ارتباطه بمرشحين يحملون مواقف مثيرة للجدل؟
أما في حالة مارك ماكنزي، فإن تصريحاته في بودكاست عام 2022، والتي تضمنت “مزحة” عن تنفيذ إعدامات علنية تشمل رئيس الوزراء جوستان ترودو، اعتُبرت سببًا كافيًا لاستبعاده. لكن سرعة القرار وعدم منحه فرصة لتقديم تفسير أو اعتذار يثيران التساؤل بشأن معايير التعامل مع مثل هذه القضايا، خاصةً أن زعيم الحزب بيار بوالييفر نفسه سبق أن أدلى بتصريحات اضطر لاحقًا للاعتذار عنها، من دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض مكانته السياسية.
ازدواجية المعايير بين الأحزاب؟
لا تخص هذه القضية المحافظين وحدهم، فالحزب الليبرالي أيضًا وجد نفسه أمام موقف مشابه بعد انسحاب مرشحه في ماركهام-يونيونفيل، بول تشيانغ، بسبب تصريحاته التي ألمحت إلى مكافآت تقدمها القنصلية الصينية ضد أحد مرشحي المحافظين. ورغم أن زعيم الحزب الليبرالي مارك كارني وصف التصريحات بأنها “مسيئة”، إلا أن الحزب لم يستبعده على الفور، بل سمح له بالانسحاب بنفسه.
علماً أنه أُخذ على كارني عدم التدخل سريعاً، فهو التزم الصمت طوال عطلة نهاية الأسبوع، ما سمح للضغط السياسي والإعلامي بالتصاعد. وعندما ظهر في مؤتمر صحافي يوم الإثنين، اختار الدفاع عن تشيانغ، مؤكدًا أنه “شخص نزيه” وأنه “يعيش لحظة تعلم”. هذا الموقف أثار انتقادات واسعة من الأحزاب الأخرى، حيث اتهمه المحافظون وحزب الديمقراطيين الجدد بعدم الجدية في مواجهة التدخل الأجنبي إذ كان من الواضح منذ البداية أن تشيانغ لا يمكنه الاستمرار كمرشح. واتُهمت قيادة مارك كارني بإظهار ضعف في التعامل مع الأزمة، ما أدى إلى إهدار أيام من الحملة الانتخابية وسمح لخصومه باستغلال الموقف لتشويه صورته. هذا الخطأ يعكس نقص الخبرة السياسية لكارني وافتقاره إلى الحسم في اتخاذ القرارات الصعبة.
رغم ذلك، يطرح التفاوت في سرعة الحسم بين المحافظين والليبراليين سؤالًا جوهريًا: هل الأحزاب الكندية تتعامل مع القضايا الأخلاقية وفق مبدأ موحد، أم أن الأمر يخضع لحسابات سياسية وانتقائية؟
هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصيدة للمرشحين؟
ما حدث مع المرشحين يعكس ظاهرة أوسع في المشهد السياسي الحديث، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة سيفٍ ذو حدين. فمن جهة، تمنح هذه المنصات المرشحين أداة فعالة للتواصل مع الناخبين وتوسيع قاعدتهم الشعبية، لكنها في الوقت ذاته قد تكون فخًا، حيث يمكن لأي تعليق أو إعادة نشر غير محسوبة أن تعصف بمستقبل سياسي واعد.
الأحزاب الكندية تجد نفسها اليوم أمام معضلة حقيقية: كيف توازن بين حماية صورتها السياسية، والحفاظ على مبدأ حرية التعبير، والتأكد من أن قراراتها لا تبدو انتقائية أو قائمة على ضغوط ظرفية؟ الإجابة على هذا السؤال قد تحدد مستقبل الخطاب السياسي في كندا خلال السنوات المقبلة.
22.2°