لا أحد سوى دونالد ترامب يمكنه عقد مؤتمر صحافي طويل جدًا، إنما بالوقت نفسه غير واضح إلى هذا الحد، كما شهدنا يوم أمس في وقت متأخر من بعد الظهر. ما خرج من هذا المؤتمر هو باختصار ارتياح هشّ ممزوج بالارتباك.
في البداية، فُهم أن كندا ستُفرض عليها رسوم جمركية بنسبة 10٪ على معظم المنتجات، لكن يبدو في النهاية أن ما يشمله اتفاق التجارة الحرة بين البلدين لن يتأثر. ومع ذلك، سيظل قطاع السيارات يخضع لرسوم بنسبة 25٪، كما هو الحال بالنسبة للفولاذ والألمنيوم. في النهاية، تدرس الحكومة الكندية الوضع لمحاولة توضيحه، ومن المتوقع أن يدلي رئيس الوزراء، مارك كارني، الذي أوقف حملته الانتخابية وعاد الى أوتاوا، بتعليق بشأن هذا الموضوع الليلة أو غدًا. لذا، سننتظر لنرى التأثيرات السياسية والاقتصادية المحتملة.
“رسوم جمركية متبادلة” على 185 دولة… وكندا والمكسيك خارج القائمة
في خطوته التصعيدية، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رسوم جمركية متبادلة تستهدف 185 دولة، ضمن استراتيجيا تهدف إلى موازنة التجارة مع الدول التي يرى أنها تستفيد من السياسات التجارية الأميركية من دون تقديم تنازلات مماثلة.
المفاجأة الكبرى كانت بأن القائمة لم تشمل كندا والمكسيك، رغم الانتقادات الحادة التي وجهها ترامب لهما في خطابه الطويل الذي استمر أكثر من 40 دقيقة، هاجم فيه أيضًا الاتحاد الأوروبي واليابان بسبب ممارساتهما التجارية.
ما معنى “الرسوم المتبادلة”؟
وفقًا للإدارة الأميركية، تعني هذه السياسة أن أي دولة تفرض رسوم جمركية مرتفعة على المنتجات الأميركية، ستواجه رسوم مماثلة عند تصديرها إلى الولايات المتحدة.
الأسواق العالمية تترقب
يثير هذا القرار مخاوف من موجة جديدة من التوترات التجارية قد تؤدي إلى اضطرابات في الأسواق العالمية، خاصة مع دول كبرى مثل الصين والهند والبرازيل، التي تعتمد بشكل كبير على التصدير للسوق الأميركي.
على الصعيد العام، أعلن ترامب في مؤتمره الصحافي عن فرض رسوم جمركية أساسية بنسبة 10% على جميع السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة، على أن يبدأ تنفيذها في 5 أبريل/نيسان. كما كشف عن رسوم جمركية أعلى ضد بعض الدول التي تُعتبر تمارس سياسات تجارية غير عادلة، وتشمل:
- 34% على السلع الصينية
- 20% على المنتجات الأوروبية
- 24% على الواردات اليابانية
وستدخل هذه الرسوم الإضافية حيز التنفيذ في 9 أبريل/نيسان، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز التصنيع المحلي وتقليص العجز التجاري.
رد فعل الديمقراطيين
يعمل الديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأميركي، بقيادة السيناتور تيم كاين، على تمرير قرار يمنع فرض هذه التعريفات الجمركية على كندا، بحجة أنها غير مبررة اقتصاديًا. في المقابل، يضغط ترامب على الجمهوريين لدعم أجندته التجارية والإبقاء على التعريفات.
تحذيرات اقتصادية
يحذر خبراء الاقتصاد من أن هذه السياسة الجديدة قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين، كما أنها قد تدفع الدول المتضررة إلى اتخاذ إجراءات انتقامية (كما أعلنت الصين بعد بضعة ساعات من إعلان ترامب)، ما يزيد من مخاطر اندلاع حرب تجارية عالمية.
كيف ستؤثر قرارات ترامب على الاقتصاد الكندي والانتخابات الفدرالية؟
سيستغرق الأمر على الأرجح بضعة أيام لتقييم التداعيات الاقتصادية والتأثير السياسي للرسوم الجمركية التي أعلنها إدارة ترامب. ولكن هناك أمرًا واحدًا واضحًا: المحافظون، حزب الكتلة الكيبيكية، وحزب الديمقراطيين الجدد يأملون أن تقلب هذه الخطوة الأميركية المعادلة الانتخابية لصالحهم.
قبل إعلان ترامب… خارطة سياسية مقلقة للمعارضة
قبل ساعات فقط من الإعلان، كشفت آخر استطلاعات الرأي عن تفوق مذهل للحزب الليبرالي. وفقًا لتوقعات 338Canada، فإن الليبراليين في طريقهم للفوز بـ 193 مقعدًا، متقدمين بفارق كبير على المحافظين (125 مقعدًا)، والبلوك (17 مقعدًا)، والديمقراطيين الجدد (7 مقاعد فقط!). أما حزب الخضر، فهو بالكاد حاضر بمقعد واحد في أونتاريو.
ماذا عن كيبيك؟
هنا، الصورة أكثر وضوحًا: الليبراليون يسيطرون على المشهد بنسبة 43% من نوايا التصويت، متقدمين بفارق 20 نقطة عن حزب الكتلة الكيبيكية والمحافظين، اللذين يتصارعان على المرتبة الثانية بنسبة 23% لكل منهما. هذه النسبة تضع حزب الكتلة أمام خسارة كبيرة، مع توقع تراجعه من 33 نائبًا إلى 17 فقط. أما المحافظون، فيمكنهم تحقيق 12 مقعدًا، بينما يبدو أن الديمقراطيين الجدد قد يحتفظون بمقعدهم الوحيد في مونتريال.
لِمَ هذا التفوق غير المسبوق لليبراليين؟
ثلاثة عوامل رئيسية تفسر هذه الهيمنة:
- رحيل جوستان ترودو، الذي كان يشكل عبئًا على حزبه.
- صعود مارك كارني، الوجه الجديد الذي يجذب الناخبين.
- هيمنة ملف الحرب التجارية، الذي جعل الليبراليين يظهرون كخيار أكثر استقرارًا.
عندما يقود الخوف الناخبين
للخوف دور أساسي في المشهد السياسي الحالي. تقول المحللة السياسية كريستين سان بيار إن الخوف من دونالد ترامب أصبح عاملاً حاسماً في توجيه أفكار العديد من الناخبين، ما يعيد إحياء بعض النقاشات القديمة.
وكثر من كانوا قرروا التصويت لصالح أحزاب أخرى قبل بدء الانتخابات، لكن مع تصاعد مخاوفهم من تأثير ترامب، بدأوا يفكرون في دعم الحزب الليبرالي بزعامة مارك كارني، معتبرين أن مواجهة ترامب أصبح أمراً أكثر أهمية من الدفاع عن لغة كيبيك مثلاً.
كما أن مسألة السيادة الوطنية والدفاع عن الأمن القومي أصبحت على الطاولة مرة أخرى، مع إعادة النظر في مشاريع الطاقة مثل خطوط أنابيب الغاز والنفط، التي كانت تم تجاهلها سابقًا، وهو ما يعكس تأثير المخاوف من ترامب على السياسة الكندية.
التأثير السياسي للخوف ليس جديداً، إذ يذكر المؤرخون أن الخوف كان عاملاً مهماً في الانتخابات منذ العصور القديمة، مثلما حدث في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد.
انعطاف مذهل لبيار بوالييفر
هل الخوف هو ما جعل زعيم حزب المحافظين الكندي، بيار بواليبفر، يلقي خطابًا استثنائيًا في تورنتو، يوم أمس. خطاب وصفه المحللون بأنه يمثل تحولًا ملحوظًا في استراتيجيته السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بموقفه من دونالد ترامب.
رغم أن بوالييفر تجنب سابقًا التصعيد ضد ترامب، إلا أن خطابه الأخير أظهر رغبة في تبني نهج أكثر حزمًا في العلاقة مع الولايات المتحدة.
في خطابه كشف بوالييفر عن نيته تسريع المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة لإنهاء “حالة عدم اليقين” بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميريي دونالد ترامب. وأكد أنه في حال فوزه في الانتخابات الفدرالية، سيقترح إعادة التفاوض مبكرًا على اتفاق التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك (ACEUM)، بدلاً من انتظار المراجعة المقررة في عام 2026، مع طلب تعليق جميع الرسوم الجمركية خلال هذه المفاوضات.
ورغم أهمية الخطاب، فقد اختار بوالييفر تقديمه أمام جمهور داعم، متجنبًا الأسئلة الصعبة أو المعارضة. ومن بين الحضور البارزين كانت كارولين مولروني، وزيرة في حكومة أونتاريو المحافظة، في إشارة إلى محاولات بوالييفر لجذب المزيد من الدعم من داخل العائلة السياسية المحافظة.
من ناحية أخرى، تعهد بوالييفر بأن أي إيرادات إضافية من تعزيز العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة سيتم استثمارها بالكامل في الجيش الكندي، بهدف زيادة ميزانيته بنسبة 60% وتعزيز السيادة الوطنية، خاصة في منطقة القطب الشمالي.
لكن هذا الطموح يصطدم بالواقع، إذ أن ترامب يسعى إلى تقييد التعاون التجاري بدلًا من توسيعه، ما يجعل وعود بوالييفر تبدو غير واقعية. ومع ذلك، فإن خطابه يشير إلى محاولة متأخرة لتعديل صورته ومواقفه مع اقتراب الانتخابات الفدرالية لعام 2025.
اللعبة لم تنتهِ بعد!
في السياسة، المفاجآت دائمًا ممكنة، فهل ستستمر هذه الموجة تعاكس المحافظين لصالح الليبراليين أم ستشهد الأيام القادمة انقلابًا دراماتيكيًا؟
21.3°