كتب المحلل السياسي في صحيفة ذي غلوب أند مايل، دافيد شريبمان، أنه رغم ما أحدثته قراراته الجمركية من زلزال في الأسواق العالمية، اصطدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحدود القوة التي ظنّ أنها مطلقة، في عالم الاقتصاد والسياسة الدولية.
فخلال أيام معدودة، ظهر جلياً أثر النزعة الأحادية في فرض الرسوم على سلع صينية وأخرى من حلفاء تقليديين، كما ظهرت حدود تلك السلطة عندما بدأت ردود الفعل تتوالى: من غضب الأسواق إلى خسائر المتاجر، من تراجع الثقة في البيت الأبيض إلى الصدام بين مستشاري الرئيس.
لم يمرّ وقت طويل حتى عاد ترمب إلى التراجع مجدداً، معلناً تعليقاً مؤقتاً لمدة 90 يوماً على بعض الرسوم الانتقامية، مرفقة بضريبة جمركية بنسبة 10% فقط، في خطوة فُسّرت كمحاولة لاحتواء التداعيات قبل أن تتسع رقعة الغضب العالمي.
لكن هذا التراجع ليس سابقة. الرئيس نفسه سبق أن خفّف من لهجته تجاه كندا والمكسيك، ثم عاد وبدّل موقفه. ويبدو أن سمة التقلّب – أو حتى التخبّط – باتت سمةً من سمات أسلوبه التفاوضي، ما يُضعف مصداقيته أمام الأسواق والحلفاء.
في الواقع، ما بدأ بوصفه “خطة مدروسة لتحقيق النهضة الصناعية الأميركية” تحوّل إلى مشهد من الفوضى والتردد. فبينما يرفع الرئيس راية “تحرير الاقتصاد الأميركي”، تتخبط الأسواق بين التفاؤل القصير الأجل والمخاوف الطويلة المدى.
“اللايقين هو العدو الأكبر لقطاع الأعمال اليوم”، تقول سوزان شواب، كبيرة مفاوضي التجارة في عهد جورج بوش الابن، مؤكدة أن هذه التبدلات السريعة ستستمر في إرباك الشركاء التجاريين.
ووسط كل هذا، يكشف استطلاع جديد من جامعة كوينيبياك أن ثلاثة أرباع الأميركيين يرَون أن هذه الرسوم ستضرّ بالاقتصاد الأميركي، فيما يرى نحو نصفهم أنها ستُلحق ضرراً طويل الأمد.
أسئلة كثيرة تُطرح اليوم في واشنطن: هل تُصاغ السياسة الاقتصادية في المكتب البيضاوي وفق مزاج الأسواق؟ من يمسك فعلاً بزمام التوجهات: أنصار التجارة الحرة، أم أنصار الحماية التجارية بقيادة بيتر نافارو؟
الإجابة كما يبدو: الجميع، ولا أحد.
والأخطر، أن ما يردّده ترمب بصوت عالٍ لا يعني بالضرورة أنه ثابت أو محسوم. فالسياسة في عهده لم تعد قائمة على “الاستقرار قبل كل شيء”، بل باتت ساحة مفتوحة للتجريب السياسي والتجاري، حيث لا شيء نهائي… حتى لو بدا كذلك.
21.3°