ليس ما يحدث لمقتنيات شركة لا باي (هادسونز باي) مجرّد فصل اقتصادي في سيرة شركة عمرها 355 عامًا، بل هو مشهد رمزي يعكس مأساة أعمق بكثير: تفكيك الذاكرة الجماعية لشعبٍ بأكمله تحت ضغط الديون ومقاييس السوق.
أن يُعرض في مزاد علني، وبمباركة المحكمة، صك تأسيسٍ ملكي منح شركة تجارية سلطة استعمار، وتحكّم لقرون في أرض وشعوب ومصائر، يعني أن التاريخ نفسه بات سلعة، وأن من يملك المال اليوم يملك الماضي أيضًا.
في قلب هذه القصة، لا نجد فقط متاحف عاجزة عن الشراء، بل نرى مؤسسات ثقافية وسياسية فاقدة للقدرة — أو الإرادة — على حماية رموز تُشكّل جوهر السردية الكندية، بما فيها فصولها المعتمة عن العلاقات مع الشعوب الأصلية. في لحظة كهذه، لا يكفي أن نأسف لفقدان وثيقة أو لوحة؛ نحن نواجه خصخصة لذاكرة مشتركة، تهمّنا جميعًا، مهما اختلفت مواقعنا أو تواريخنا.
من يملك التاريخ؟
هذا السؤال لم يعد أكاديميًا. في عالمٍ يتسارع فيه كل شيء، من التداول الرقمي إلى الإفلاس المؤسسي، بات التاريخ عرضة للبيع، تمامًا كأي أصل مادي. واللافت في هذه الحالة أن ما يُباع ليس مجرد لوحة زيتية، بل وثائق تؤرّخ لحظة ولادة واحدة من أقدم الشركات التجارية في العالم، مسؤولة عن استعمار مناطق شاسعة في كندا، وعن تأسيس علاقات غير متكافئة مع السكان الأصليين.
بيع هذه الوثائق لمشترٍ مجهول (ربما خارج البلاد)، يعني حرفيًا أن سردية تأسيس الدولة، وسيرورة الاستعمار، وتحوّل الشركة من قوة تجارية إلى رمز وطني، ستُنتزع من الحيّز العام وتُحبس في أرشيف خاص، لا يراه أحد.
بين الإفلاس وفقدان الذاكرة
صحيح أن شركة لا باي (هادسونز باي) هي شركة خاصة، تعرّضت لأزمات مالية، وقررت بيع جزء من أرشيفها كمحاولة لسداد ديون. لكن السؤال الجوهري هو: أين الدولة؟ أين الحكومة الفدرالية، التي لطالما رفعت شعار المصالحة مع السكان الأصليين؟ أين وزارة التراث، والمكتبة الوطنية، والمتاحف الكبرى في البلاد؟
لو كان المزاد على مبنى تجاري أو مخزون بضاعة، لما أثار الأمر كل هذا القلق. لكن حين يتعلّق الأمر بصك تأسيس، بخرائط عمرها قرون، بسجلات اتفاقيت كانت تؤسّس لحكم شبه إمبراطوري في شمال القارة، فإن الأمر يتجاوز السوق ليدخل في صميم السياسة والهوية.
المتحف كخط الدفاع الأخير
موقف متحف مانيتوبا يستحق التحية. لقد حاول، كما قالت إدارته، أن يتدخل ويمنع خروج الوثائق من كندا، لكن القوانين لم تسعفه، والأموال لم تتوفّر. وهذه مفارقة قاتلة: نطالب المتاحف بحماية الذاكرة، بينما نمنحها ميزانيات لا تكفي لشراء وثيقة واحدة في مزاد واحد.
ما نحتاج إليه هو تشريع واضح يضمن تصنيف بعض المقتنيات — التاريخية، الثقافية، السياسية — على أنها “غير قابلة للتفريط”، ويُلزم الدولة بالتدخل عند الحاجة. الذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء من الأمن الوطني، بالمعنى العميق للكلمة.
حين يُصبح النسيان سياسة عامة
ما يجري اليوم ليس حادثًا عرضيًا، بل تعبير عن مسار طويل بدأ منذ أن تراجعت السياسات الثقافية لصالح السياسات السوقية. حين تُهمّش وزارات الثقافة، وتُترك المؤسسات الأرشيفية لمصيرها، وحين يصبح التعليم التاريخي هامشيًا، فإننا نزرع بذور النسيان الجماعي.
لكن النسيان ليس بريئًا. إنه أداة. ومن لا يملك ذاكرته، لا يملك مستقبله.
21.3°