مع اقتراب الانتخابات الفدرالية الكندية لعام 2025، كشفت الأحزاب السياسية الرئيسية عن برامجها الانتخابية بحيث خصّ كلٌّ منها مقاطعة كيبيك بجملة من الوعود والمقترحات. غير أن هذه البرامج، رغم ما تحمله من مشاريع جذابة، لا تخلو من نوايا قد تُثير استياء المدافعين عن خصوصية كيبيك وصلاحياتها الدستورية.
الكتلة الكيبيكية: طموح بلا سلطة تنفيذية
رغم كونه حزبًا لا يطمح للوصول إلى الحكم، طرح حزب الكتلة الكيبيكية منصة انتخابية مفصلة تتضمن مطالب صريحة، أبرزها رفع التحويلات المالية الفدرالية للصحة لتغطية 35٪ من النفقات الصحية، بدلاً من النسبة الحالية المقدرة بـ22٪ فقط.
واقترح الحزب كذلك فرض شرط إجادة اللغة الفرنسية لنيل الجنسية الكندية داخل كيبيك، بالإضافة إلى إلزام مديري الشركات الفدرالية بالتحدث بالفرنسية. وهو مطلب يذكّر بقضية المدير التنفيذي لشركة Air Canada الذي لا يزال عاجزًا عن الحديث بالفرنسية رغم الانتقادات السابقة.
كما يدعو الحزب إلى إلغاء الاستثناءات الدينية التي يتيحها القانون الجنائي في ما يتعلّق بخطاب الكراهية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي في ظل المناخ السياسي المتوتر.
الحزب الليبرالي: ارتياح في استطلاعات الرأي… وتجاهل للخصوصية الكيبيكية؟
لم ينشر الحزب الليبرالي برنامجًا خاصًا بكيبيك، ربما لثقته بتقدّمه في استطلاعات الرأي داخل المقاطعة. إلا أن برنامجه العام يتضمّن بعض المقترحات التي تهم الكيبيكيين، منها تبسيط الإجراءات البيئية عبر اعتماد مبدأ “تقييم واحد لكل مشروع”، قد يكون تقييمًا إقليميًا.
اقتصاديًا، يمكن أن تستفيد كيبيك من خطة “إعادة تسليح كندا”، خصوصًا في قطاعي الطيران وبناء السفن، كما أن استثمارات الحزب في الزراعة الذكية تتماشى مع أولويات المقاطعة الغذائية.
لكن في المقابل، يثير الليبراليون القلق عبر نيتهم تمويل مشاريع صحية كالمستشفيات ودور الرعاية من دون التزام واضح باحترام صلاحيات كيبيك أو تقديم تعويضات مقابل التدخل، خصوصًا في ظل تجربة ماضية مليئة بالمفاوضات الشاقة.
وفي ملف الهجرة، لا توضح الخطة الليبرالية كيفية التعامل مع أزمة طالبي اللجوء، رغم أن كيبيك تستقبل أكثر من نصفهم على مستوى كندا، ما يثقل كاهل خدماتها العامة.
الحزب الديمقراطي الجديد: وعود فدرالية… ونزعة مركزية
رغم ضعف شعبيته في كيبيك، خصّ الحزب الديمقراطي الجديد المقاطعة بقسم خاص في برنامجه، متبنّيًا مواقف غير مسبوقة مثل إشراك حكومة كيبيك في اختيار القضاة الفدراليين.
كذلك تعهّد الحزب بتكريس “فدرالية لا متماثلة”، تتيح للمقاطعات سحب المشاركة من البرامج الفدرالية مقابل تعويض مالي، وهو مطلب تاريخي لكيبيك.
لكن، المفارقة تكمن في أن الحزب نفسه يقترح توسيع برامج التأمين الصحي الفدرالي، ما قد يفتح باب الصدام مع النموذج الكيبيكي الذي يتبنى الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تقديم الرعاية الصحية.
المحافظون: خطاب مزدوج تجاه كيبيك
رغم نشرهم برنامجًا خاصًا بكيبيك في وقت مبكر، تأخر حزب المحافظين في كشف برنامجه الكامل حتى الأسبوع الجاري.
يقترح المحافظون تقليص عدد المهاجرين المؤقتين إلى النصف، ومنح كيبيك دورًا أكبر في اختيار بعض الفئات من المهاجرين، لكنهم لا يترددون في دعم مشاريع كبرى مثيرة للجدل، مثل ربط مدينة كيبيك بجسر ثالث، مقابل رفضهم دعم مشروع الترامواي المدعوم من حكومة المقاطعة.
كذلك يدعم الحزب بناء أنابيب النفط، ما يوحي بإمكانية فرضها على أراضي كيبيك، من دون أخذ خصوصية المقاطعة البيئية والسياسية بالاعتبار.
واللافت أن الحزب لا يتطرق إلى حق الانسحاب مع التعويض، ولا يوضح موقفه من تدخل الحكومة الفدرالية في الطعن بقانون العلمانية الذي أقرّته كيبيك، رغم مواقف سابقة لرئيسه بيار بوالييفر تؤيد هذا التدخل.
تنافس على النتائج… لا على احترام الصلاحيات
باستثناء حزب الكتلة الكيبيكية ، لا يخلو أي حزب فدرالي من مقترحات قد تُفسَّر كتدخل في صلاحيات كيبيك، ما يطرح أسئلة جدية حول احترام الفدرالية الكندية.
لكن الواقع الانتخابي يشير إلى أن الناخبين يهتمّون بالنتائج المباشرة في مجالات مثل الصحة والهجرة أكثر من اهتمامهم بالمبادئ الدستورية، خصوصًا في ظل تحديات دولية كبرى مثل تلك التي يشكلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. من المرجح أن يُحسم هذا الاستحقاق بناءً على شخصية الزعماء وقدرتهم على التعامل مع ملفات ملحة، لا على مدى التزامهم بنصوص الدستور.
22.2°