تشهد ولاياتا فلوريدا وأريزونا موجة بيع غير مسبوقة من قبل الكنديين المعروفين بـ”السنوبيردز”، الذين دأبوا لعقود على قضاء أشهر الشتاء في وجهات دافئة جنوب الحدود. لكن اليوم، يختار كثيرون منهم مغادرة السوق الأميركية نهائيًا، وسط تصاعد التوتر السياسي وتدهور العلاقات بين واشنطن وأوتاوا.
ففي ظل العودة المثيرة للجدل للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وفرض إدارته لقيود جديدة على الكنديين، من بينها تسجيل البصمات الإلزامي للمقيمين لأكثر من 30 يومًا، بدأت مشاعر انعدام الأمان وعدم الترحيب تتسلل إلى نفوس الكنديين.
ويقول دايل ماكمولن، وهو من مقاطعة ألبرتا، بعد بيعه منزله الصيفي في أريزونا الذي امتلكه لخمس سنوات: “قررنا المغادرة بعد تولي ترامب المنصب مجددًا… لم نعد نثق بما قد يفعله بنا كأفراد أو بكندا كدولة. لم نعد نشعر بالترحيب ولا بالأمان”.
وتُظهر الأرقام أن مبيعات الكنديين للعقارات في الولايات المتحدة تتزايد بشكل ملحوظ هذا الربيع، ما يؤثر على سوق العقارات في ولايات لطالما اعتمدت على الإنفاق الكندي، مثل فلوريدا، التي شكلت لسنوات الوجهة المفضلة لمقاطعات كيبيك وأونتاريو خلال الشتاء.
ويقول وكلاء العقارات في ولايتي فلوريدا وأريزونا إنهم يتلقون عروض بيع أكثر من المعتاد من كنديين يسعون للانسحاب، وسط عوامل أخرى تشمل تدهور سعر صرف الدولار الكندي، وارتفاع تكاليف التأمين، ومخاوف المناخ، فضلًا عن قيود الدخول المتزايدة.
وصرّح كندي من أونتاريو يملك استثمارين عقاريين في فلوريدا – وفضّل عدم ذكر اسمه – قائلاً: “لم يعد هناك ما يشجع على البقاء في الولايات المتحدة. بين السياسة وسعر الصرف وشعورنا بأننا غير مرغوب بنا، قررنا الانسحاب”.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه حجوزات الطيران وعبور السيارات من كندا إلى الولايات المتحدة، بدأت وجهات بديلة مثل البرتغال والمكسيك وجنوب فرنسا تجتذب أنظار الكنديين الباحثين عن ملاذ شتوي جديد، بعيدًا عن الأجواء السياسية المتوترة جنوب الحدود.
تُعتبر ظاهرة تراجع الطلب على العقارات في الولايات المتحدة من قبل الكنديين مؤشرًا على تصاعد تأثير العوامل السياسية والاقتصادية على القرارات الاستثمارية. فمن جهة، تُظهر هذه الموجة من البيع تأثيرًا مباشرًا على سوق العقارات في الولايات التي كانت تعتمد بشكل كبير على الكنديين، ولا سيما في فلوريدا التي اعتادت على استثماراتهم. مع انخفاض الطلب على العقارات، من المتوقع أن تشهد الأسعار مزيدًا من الانخفاض في بعض المناطق التي كانت في السابق تتمتع بارتفاع أسعار الطلب نتيجة للإنفاق الكندي.
ومن جهة أخرى، يمكن أن يؤثر هذا التحول في توجهات السوق على الاقتصاد الأميركي المحلي في تلك الولايات، حيث يعتمد قطاع السياحة والعقارات بشكل كبير على الإنفاق الكندي. هذا التراجع في الطلب قد يشكل تحديًا للسوق العقاري في هذه الولايات، ويؤدي إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي المحلي.
على الجانب الكندي، تزداد المؤشرات التي تشير إلى تحوّل الكنديين إلى أسواق عقارية جديدة في دول أخرى، ما يعزز من تنوع استثمارات المواطنين الكنديين في الأسواق العالمية. فتوجه العديد منهم إلى البرتغال، المكسيك، وفرنسا قد يشير إلى رغبة في التنويع والتخفيف من المخاطر المرتبطة بالاستثمار العقاري في الولايات المتحدة وسط الأوضاع السياسية الحالية. هذا التحول قد يؤدي إلى توجيه استثمارات كندية إلى أسواق جديدة، وبالتالي قد يساهم في تزايد الطلب على العقارات في هذه الوجهات الجديدة.
إجمالًا، يعكس هذا التحول مزيجًا من التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية التي تضع تحديات أمام التعاون والتجارة بين البلدين، ويعيد توجيه خيارات الكنديين في كيفية استثمار أموالهم وتحقيق الاستقرار المالي. التوترات السياسية بين الولايات المتحدة وكندا، مع تبعات انخفاض قيمة الدولار الكندي، تشكل ضغطًا على السوق العقاري في الولايات المتحدة وتدفع الكنديين إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا.
22.2°