يبدو أن الزيارة الملكية للملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى كندا ليست مجرد جولة رسمية عابرة، بل تحفل برسائل رمزية دقيقة تهدف إلى دعم سيادة كندا في مواجهة تحديات سياسية واقتصادية متصاعدة.
في عالم العائلة الملكية البريطانية، حيث الكلمات تخضع لأدق الحسابات، تحل الرموز مكان التصريحات السياسية المباشرة، حفاظًا على حياد الملكية الذي يشكل أساسًا لاستمرار ثقة الجمهور. فحين تعرضت كندا لهجمات لفظية وسياسية متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اختار الملك تشارلز عدم الرد المباشر، مكتفيًا بزراعة شجرة القيقب الحمراء، رمز كندا، في قصر باكنغهام.
لكن الزيارة الملكية التي تجري هذا الأسبوع، وهي أول زيارة منذ تولي تشارلز العرش بعد وفاة الملكة إليزابيث الثانية في 2022، تظهر موقفًا واضحًا عبر الرموز والأفعال. إذ ستشهد الزيارة أيضًا حدثًا استثنائيًا يتمثل في إلقاء الملك خطاب العرش في البرلمان الكندي، وهو أمر لم يحدث منذ عام 1977، مما يعكس دلالة رمزية عميقة في ظل تحديات تواجه البلاد.
في ظل أزمة السكن المتفاقمة ونظام صحي على حافة الانهيار، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والديون المتزايدة وتهديدات الرسوم الجمركية من الولايات المتحدة، تأتي هذه الزيارة لتعزز الوحدة الوطنية وترسل رسالة صريحة: “من يمس كندا يمس التاج.”
ورغم أن هذا الدعم الرمزي القوي، لا يغفل القصر البريطاني مصالح المملكة المتحدة، التي بدورها تخوض مفاوضات جمركية مع الولايات المتحدة. فقد حملت زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واشنطن دعوة مكتوبة من الملك تشارلز للرئيس ترامب لزيارة الدولة في باكنغهام، في خطوة دبلوماسية ذات مغزى.
ومع ذلك، تظل آراء الكنديين بشأن دور الملكية البريطانية وتقلبات نظرتهم إلى الملك تشارلز متباينة، كذلك أظهر استطلاع حديث أجرته شركة ليجيه بشراكة مع جمعية الدراسات الكندية. فقد انقسم المشاركون بنسبة متقاربة بين مؤيد ومعارض، مع اختلافات إقليمية ملحوظة حيث أبدى سكان الأطلسي أكبر نسبة إيجابية تجاه الملكية، في حين أظهرت مقاطعة كيبيك أقل نسبة تأييد.
رئيس جمعية الدراسات الكندية جاك جيدواب يؤكد: “لا يوجد إجماع واضح على الملكية أو على شخصية الملك تشارلز، ما يعكس الانقسام العميق في الرأي العام الكندي.”
في ظل هذه المشاهد، تظل زيارة الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى كندا أكثر من مجرد رحلة رسمية، إنها رسالة متوازنة بين دعم الوحدة والسيادة الوطنية، مع مراعاة المصالح السياسية والاقتصادية المتشابكة بين كندا وبريطانيا والولايات المتحدة.
برنامج الزيارة
يبدأ الملك والملكة جولتهما من “سوق المزارعين” وفعالية مجتمعية في حديقة لانسداون بعد ظهر الإثنين، يليها غرس شجرة رمزية ثم مراسم رسمية في الريدو هول .
أما يوم الثلاثاء، فسيُستهل بمسيرة ملكية تتقدّمها عربة تجرّها الخيول ويقودها أحد أعضاء الشرطة الفدرالية، تمرّ بشارع ويلنغتون وصولاً إلى مجلس الشيوخ. هناك، سيُستقبل الملك بمراسم عسكرية تشمل تحية من 21 طلقة وتفقد الحرس الفخري.
ويُتوقّع أن يُولي خطاب العرش اهتماماً خاصاً لتاريخ كندا المتعدد الجذور، إذ وصف رئيس الوزراء كارني البلاد بأنها “بُنيت على أسس ثلاثة شعوب: السكان الأصليون، والفرنسيون، والبريطانيون”. ولذلك، سيشارك في الفعاليات ممثلون عن الشعوب الأصلية، من ضمنهم فرقة طبول من الأمم الأول، وأيضاً الميتيس، وكبير شيوخ الإنويت الذي سيُشعل مصباحاً احتفالياً.
20.2°